عمان- الرأي-في ثلاثة مجلدات ضخمة، صدر عن جامعة آل البيت كتاب «ابن دريد الأزدي: أعلم الشعراء وأشعر العلماء»، ليضم أوراق المؤتمر الذي نظمته وحدة الدراسات العُمانية في الجامعة بالتعاون مع سفارة سلطنة عُمان في المملكة الأردنية، العام 2009، حول العلامة ابن دريد الأزدي، بمشاركة زهاء مائة عالم وباحث يمثلون أكثر من عشرين مؤسسة علمية وأكاديمية مرموقة، أردنية وعربية وإسلامية، بحثوا جوانب من شخصية هذا العلامة العربي وفكره وإسهاماته المتميزة في علوم العربية من لغة ونحو وبلاغة وشعر، بحيث تؤسس هذه الدراسات لرؤية علمية ومنهجية تضع هذا العلامة في مكانه اللائق بين أعلام الفكر العربي الإسلامي بخاصة، والإنساني بعامة.
قام بإعداد الكتاب وتحريره د.عليان الجالودي ود.كمال مقابلة، اللذين أعدا الأوراق العلمية، جمعاً وتبويباً، ليخرج الكتاب في ثمانية أبواب متسلسلة ومترابطة تبدأ بحياة ابن دريد وتنتهي بشخصيته وانعكاساتها في آثار الدارسين، عارضَين بين هذا وذاك لدراسات العلماء والمختصين في مؤلفاته، وتحليلات لآخرين لأشعاره وآثاره المنظومة والمنثورة.
تظهر الأبحاث الجادّة في الكتاب شخصية ابن دريد الأدبية، إذ جاء شعره معبراً بصدق عن شخصيته التي امتازت بالفطنة والذكاء، حيث جمع ابن دريد في مقصورته (القصيدة المكونة من 252) أغراض الشعر التقليدية المعروفة في عصره، وضمنها العديد من الإشارات والحكم والأمثال التربوية والتعليمية، كما أوضحت «المقصورة» نظرة ابن دريد للحياة من خلال تجاربه الشخصية ورحلاته التي تنقل فيها في غير مكان، إلى جانب سعة الخيال التي تمتعت بها وخصب التصوير ورحابة الأفق، فجاءت صوره الشعرية خلابة، وصف بها العناصر الفاعلة في حياة العربي آنذاك كالخيل والسيف والإبل والمطر والحجيج.
ويؤكد الباحثون الذين ساهموا في المؤتمر، على المكانة العلمية لابن دريد الذي كان مشهوداً له من علماء عصره بعظيم قدرته في اللغة والأدب والشعر والأنساب، وقد ألف الكثير من الكتب،لم يصل إلى المكتبة العربية منها غير الشيء اليسير، ومنها: «أدب الكاتب»، «الاشتقاق»، «الأنبار»، «البنون والبنات»، «جمهرة اللغة»، الخيل الكبير»، «الفوائد والأخبار»، «المتناهي في اللغة»، «المجتنى»، «المقصور والممدود وشرحه»، مشددين على أن شعر ابن دريد لم يقف حائلاً بينه وبين النثر، فهو شاعر وأديب، وكانت له حلقات درس ومجالس علم، يمارس فيها مهنته المحببة إلى نفسه، ألا وهي مهنة التعليم، إذ تتلمذ على يديه العديد من طلاب العلم.
ويشير الكتاب إلى أن ابن دريد كان مولعاً بتتبع لغات العرب ولهجاتهم، واهتم بذكر لغات العرب داخل الجزيرة العربية، وخارجها في العراق وبلاد الشام، وبين أوجه الاختلاف في الاستعمال بين قبلية وأخرى، للشيء الواحد، وكانت اللغة اليمانية استأثرت باهتمامه نظراً لنشأته اليمانية بين أبناء قبيلته.
استطاع ابن دريد، كما تظهر الأبحاث، أن يضيف نقلة نوعية للدرس الصوتي العربي، فلم يكن مقلدا في آرائه، بل كان مجتهداً متمتعاً بحس صوتي جعل منه رائدا من رواد علم الأصوات في التراث العربي الإسلامي، وقد أبدع في تصنيف الحروف وعددها ومفاهيمها، إلا أن جهوده ظلت حبيسة «الجمهرة» ولم يكتب لها الانتشار بين العلماء. وله يعود فضل صياغة تعريف لمعنى الجهر والهمس، مخالفا بذلك سيبويه في عبارته الشهيرة التي لم يستطع علماء العربية إلا أن يرددوها ترديدا لعدم توصلهم لحقيقة الجهر، كما صاغ ابن دريد تعريفاً لمعنى الشد والرخاوة مخالفاً أيضاً التعريف الذي وضعه سيبويه، كما وضع مصطلحات لكل من: الإصمات، الجرس والجنس.
إلى ذلك، تناولت أبحاث الكتاب علاقة ابن دريد بالسلطة السياسية، التي كانت قد أثرت وتأثرت بطبيعة شخصيته وظروفه المحيطة، كما كان للمكان الدور الكبير في هذه العلاقة. ورأى الباحثون أن ابن دريد يمثل حالة تمازج وتنوع في شخصيته لا يمكن فصل أحد أركانها عن الأخرى، وقد ارتبطت شخصيته بمجموعة من الظروف والمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أثرت على علاقاته في مختلف تجلياتها، حيث حل وارتحل، بخاصة علاقاته بالسلطة السياسية، إذ ارتبط بشكل مبكر بالحالة السياسية التي كان تسود الأماكن التي يقيم فيها.
وكان ثمة عوامل كثيرة أسهمت في ترسيخ هذه العلاقة لدى ابن دريد، من أهمها ظروفه العائلية إذ نشأ في بيئة مترفة وكان والده من رؤساء زمانه، وكان عمه الحسن الذي أشرف على تربيته وتعليمه من علماء البصرة، كما كان لصفاته الشخصية دور بارز في هذه العلاقة، إضافة إلى تأثره بالظروف السياسية المحيطة، كالاضطرابات والثورات التي شهدتها الدولة العباسية، وكانت البصرة مسقط رأسه مسرحا لبعضها، وفي عُمان حيث موطن أجداده وقبيلته، لم يستطع ابن دريد أن ينسلخ عن جذوره ويبقى على الحياد تجاه ما وقع من أحداث سياسية وصراعات مختلفة.
استقر ابن دريد في صحار وكانت مدينة مزدهرة بالعلم، وتنعم بالهدوء والطمأنينة، لكن هذا الهدوء سرعان ما تلاشى مع عزل الإمام الصلت بن مالك الأزدي من قبل الفقيه موسى ابن موسى، وقد تجلى موقف ابن دريد من هذه الأحداث بتأثير من أساتذته في عُمان من أمثال أبي المؤثر بن الصلت وأبي محمد الحواري بن عثمان اللذين أعلنا معارضتهما لموسى بن موسى وابن النظر، وكذلك تأثره بالنعرة العصبية وشعوره بانتمائه لقبيلته الأمر الذي أثر على شعره ووصمه بطابع القبلية والعصبية.
يعد هذا الكتاب جهداً ثميناً في مجال التعريف بأعلام العرب وأئمة اللغة والأدب الذين كانت لهم إسهامات مشهودة، وما تزال كتباتهم وآرائهم تشغل الدارسين وتحتاج إلى وقفات جادّة نقداً وشرحاً وتفصيلاً.

السبت 2011-12-24