المهندس خالد العنانزة - العطور هي مزيج من زهور وورود طبيعية تتألف وتسكن زجاجة وتضفي هالة من الرومانسية والانتعاش على الإنسان, لذا فلكل شخص عطر يناسبه.
إن أصل ومنشأ كلمة العطور PERFUMES بالإنجليزية تأتي من الأصل اللاتيني PERFUMARE ومعناها:»من خلال الدخان» وهو يعني حرق بعض المواد بهدف الحصول على روائحها الزكية من خلال الدخان المتصاعد ،وترجع صناعة العطور في بداياتها الأولى إلى قدماء المصريين الذين استخدموا الزيوت الطيارة والعطور منذ آلاف السنين في الاحتفالات الدينية,ولا تنفرد مصر بذلك في تاريخها القديم بل إن فكرة الزيوت الطيارة والعطور وجدت في بلاد الشرق مثل الصين والهند وفارس, وقد كان تحضير المواد العطرية من أهم الصناعات الكيماوية في بلاد ما بين النهرين, وكانت هذه المنتجات العطرية تستثمر لأربعة أغراض رئيسية تمس حياة كل السكان تقريبا وهي: الحاجات الطبية, والخدمات الطقوسية, والممارسات السحرية, والتجميل.ويروي( هيرودتس) أشهر مؤرخي اليونان أن قدرا كبيرا من منتجات العطور كان مطلوبا للأغراض الدينية بشكل زيوت جوهرية, وماء العطر, ومراهم نفاذة الرائحة,وكانت المعابد البابلية تستهلك سنويا كميات كبيرة من البخور والزيت المقدس والمنتجات العطرية الأخرى.

الكندي صاحب كشف في كيمياء العطور

لقد أبدع البابليون في صناعة العطور فأنتجوا الأوعية الطينية الفاخرة بضروب شتى من الأحجام والأشكال التي كانت قادرة على مقاومة درجات الحرارة العالية للاستعمال في تصنيع العطور,ومع تقدم الزمن حصل تطور في الأجهزة المستعملة في صناعة العطور وذلك عندما وضع الكندي كتابه «كيمياء العطور والتصعيدات» في القرن التاسع بعد الميلاد والذي كشف فيه معطيات ومواد جديدة في أصول كيمياء العطور العربية, كما ساهم اكتشاف العالم المسلم ابن سينا طريقة التقطير البخاري للزيوت الطيارة عام 1150م بإضفاء تطور نوعي على صناعة العطور, ومع تطور المعرفة الكيميائية في كل من الكيمياء التحليلية والتخليقية أمكن للعلماء تحقيق حلمهم بمحاكاة الطبيعة وذلك بعزل بعض المكونات والتعرف على المصادر الطبيعية للرائحة وتحضير المواد الموازية والمكافئة لها صناعيا, وفي الخمسينات من القرن الماضي حدث تطور سريع في صناعة العطور نتيجة زيادة مكونات المواد الأولية الطبيعية والمصنعة والتقدم في طرق الحصول على الزيوت العطرية وزيادة الاهتمام بالأمور الصحية والجمالية والتقدم في تعبئة العطور خاصة عبوات الرش «الايرسولات», وفي الحقيقة قد يندهش بعض الناس عندما يعلم بأن تصنيع العطور ليست مسألة سهلة فهي تحتاج إلى خبرة ومهارة وقدرة على التعامل مع الكيمياء التخليقية ومعرفة بمتطلبات المستهلكين.

مكونات العطور

تحتوي العطور على ثلاث مكونات أساسية :أولا» المادة الحاملة VEHICLE وعادة يستخدم مذيب الكحول الايثيلي النقي لخلط وتثبيت مكونات العطر, وهذا المذيب المتطاير يستخدم في تثبيت الرائحة ولا يتفاعل مع المواد المذابة ولا يسبب أي تخريش أو أذى لجلد الإنسان, وأحيانا يتم إضافة بعض مواد إزالة الرائحة للتغلب على الرائحة الخفيفة للكحول.وثانيا» المثبتات FIXATIVES:والمادة المثبتة هي مادة أقل تطايرا من الزيوت العطرية الموجودة في العطر والوظيفة الرئيسية لها هي تقليل سرعة تبخر المواد المسببة للرائحة ومن أهم أنواعها, المثبتات ذات المصدر الحيواني مثل الزبد والمسك, والمثبتات المخلقة مثل فانيلين, والمثبتات الزيتية مثل زيوت خشب الصندل, ويجب على صانع العطور أن يعرف  أي المواد المثبتة أكثر صلاحية للعطر المطلوب تحضيره لأن كل عطر له مادة مثبتة تحفظ له رائحته لأطول مدة ممكنة.
وأخيرا» الزيوت الجوهرية  ESSENTIAL OILS: وعادة»يستخدم مصطلح الزيوت الجوهرية لوصف الزيت الناتج عن تقطير الأزهار باستعمال البخار ومن خصائص هذه الزيوت أنها متطايرة وذات رائحة عطرية ولا تذوب في الماء وإنما تذوب في المذيبات العضوية,وعادة لا يقتصر وجود الزيوت الجوهرية في النبات على الأزهار فقد توجد في البراعم أو اللحاء أو الساق أو البذور أو الجذور أو الثمار فمثلا في الورد والياسمين تتركز الزيوت الجوهرية في بتلات أزهار بينما في اليانسون توجد في البذور وتوجد في أوراق ولحاء نباتات التوابل مثل  القرفة, ويلعب الزيت الجوهري دورا غامضا في النبات وربما يعتقد إن وظيفته الأساسية هي جذب الرائحة للحشرات من أجل تخصيب الأزهار أو الحماية من الأعداء أو كوسيط في عمليات الأيض في النبات،. وتختلف الزيوت الجوهرية عن الزيوت النباتية في تركيبها الكيميائي  فالزيوت الجوهرية مركبة من تربينات و كحولات وألدهيدات و كيتونات و أسترات و آيثيرات و فينولات و أحماض و نيتروجين ومركبات كبريتية ، بينما الزيوت النباتية عبارة عن جليسرات من أحماض دهنية عالية . و بجانب الاستخدام الأساسي للزيوت الجوهرية في صناعة العطور فان لها استخدامات طبية بسبب خواصها المطهرة والمخدرة والمنعشة كما لها استخدامات واسعة في صناعة الصابون ومواد التجميل والمياه الغازية.

الكيماويات العطرية

إن إدخال الكيماويات العطرية في صناعة العطور جاء نتيجة التطور في تصنيع مكونات العطور باستخدام طرق التخليق الكيميائي,  وقد كانت أول المواد الكيميائية أمكن استخدامها في مجال العطور هي النيتروبنزين والتي تتميز برائحة الليمون المر وقد تم تخليق هذه المادة في عام1834م ونظرا لسميتها واحتمال سريانها إلى الدم من خلال الجلد فقد تم منع استعمالها في مجال العطور وتم استبدالها بمادة أخرى بديلة هي البنزالدهيد وهي مادة كيميائية مأمونة الاستخدام, كما أن لها رائحة الليمون بشكل أقوى وأفضل, وقد أمكن تخليق العديد من المواد الكيميائية العطرية خلال السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر مثل الكومارين و التربينول وميثيل أيونون  وغيرها وقد أتاح ظهور الكيماويات العطرية الجديدة ظهور أنواع ممتازة من العطور لم تكن معروفة سابقا .وفي عام 1920 استطاع العطار الفرنسي ارنست بيكس صناعة العطر المشهور( شانيل 5) الذي يعتبر من أشهر عطور القرن العشرين.

طرق صناعة العطور

إن أساس تحضير العطور واحد, وهو خلط الزيوت الجوهرية والمثبتات الخاصة بالعطر المطلوب تحضيره بنسب معينة ثم تدفأ على حمام مائي ليتم امتزاجها جميعا ويذوب ما قد يكون معها من أجسام صلبة, ثم يضاف إليها الكحول الايثيلي النقي ويرج الخليط جيدا, ويترك لبعض الوقت لأيام أو أسابيع أو شهور, ويتوقف ذلك على نوع العطر المراد تحضيره لتختمر الرائحة جيدا, ثم يبرد المحلول دون أن يصل إلى درجة التجمد وذلك حتى يتم انفصال ما قد يكون به من مواد غير قابلة للذوبان, ويرشح بعد ذلك خلال ورقة ترشيح إلى أن يصبح الرشيح رائقا تماما, وعندئذ يعبأ في زجاجات نظيفة جافة ثم يحكم إغلاقها وبذلك يصبح  العطر صالحا للاستعمال.

kananzeh@yahoo.com

السبت 2012-01-14