كتب
سامح المحاريق ..
التغير المناخي والأمن الغذائي في الأردن
كانت الأردن تمثل النموذج المناقض لصحراء الجزيرة العربية حتى أن بعض المشركين تصوروا أن الجنة التي بشر بها النبي الكريم كجنات الأردن، وبقيت الأردن تمثل خطا دفاعيا من الخضرة والخصوبة في مواجهة التصحر المندفع من الجنوب، إلا أن الواقع الحالي يجعل الأردن مهددة في ثروتها النباتية والحرجية بصورة تستدعي القلق وتتطلب تحركا سريعا للحفاظ على هذه الثروات لعلاقتها المهمة بتوفير الأراضي الزراعية اللازمة والأساسية لتحقيق جزء من الأمن الغذائي في الأردن وكذلك الصحي، ولكن التغيرات المناخية وأثرها على البيئة لا يقتصر على الأردن، فمنذ سنوات وأسعار الغذاء ترتفع بصورة كبيرة وتنذر بأن العالم سيدخل حروب الجوع خاصة مع الفشل المستمر للعلم في تلبية الاحتياجات المتزايدة من الأغذية لسكان العالم، ورئة العالم المتمثلة في الغابات الضخمة في آسيا وافريقيا وأمريكا الجنوبية تترنح أمام الاعتداءات المتواصلة من الشركات العابرة للجنسيات في سبيل الحصول على الأخشاب والمحاصيل المختلفة، كما وتمثل التجارة العالمية في ظل اتفاقياتها الجديدة تهديدا آخر للمزارعين حول العالم، والنتيجة أن جميع الدول مضطرة أن تولي الأمن الغذائي أهمية كبيرة ومتزايدة في المرحلة القادمة، وأن تضع الخطط البديلة لتوفير احتياجاتها وأن تستثمر في ذلك، فالمخاطر المناخية التي يزيد الإنسان بنمطه الاستهلاكي التوسعي من خطورتها تنذر بكوارث قريبة.
في هذا الكتاب قراءة لمستقبل الأمن الغذائي في الأردن في ظل التغيرات المناخية المتلاحقة، ويبدأ الكتاب بتقديم واقع الثروات الحيوية في الأردن وتوصيف وضعه المناخي والسكاني والبيئي قبل أن يمضي في تعريف الأمن الغذائي والأسباب التي تدفعه لمقدمة الاهتمامات المعاصرة ويدمج المؤلف مفهوم الأمن الغذائي في منظومة الأمن الوطني الذي يشمل ضمن منظوره الواسع تأمين المواطن من الخوف والفاقة، ويقع تأمين الغذاء ضمن واجبات الدولة، وليس مجرد توفيره ككم وإنما العناية بنوعيته، ويقوم الأمن الغذائي على أربع أعمدة وهي الوفرة لكل المواطنين وسهولة التوزيع لجميع الفئات والديمومة بحيث تستقر الإمدادت الغذائية لفترات زمنية معقولة، والسهولة التي تعني توفر السلع الغذائية لجميع المواطنين بأسعار معقولة، وأخيرا سلامة الغذاء التي تتطلب تشديد الرقابة على الأغذية والتأكد من ملاءمتها للاستهلاك البشري، وهذه الأمور لا تبدو سهلة في المدى المتوسط والبعيد فالكتاب يؤكد على أن العالم العربي سيعاني من عدم القدرة تحقيق الاستقرار في الانتاج الغذائي، وأن الدول العربية بصورة افرادية وجماعية يجب أن تبحث عن الحلول، ويقدم الكتاب استعراضا لجدوى التفكير في مسألة الأمن الغذائي على مستوى العالم العربي، خاصة بما يتيحه التنوع المناخي في الدول العربية يمكنه أن يؤدي إلى تدفق الغذاء الكافي لجميع الدول العربية، وينتقد الكتاب التباطؤ في المشاريع المشتركة وخاصة في السودان الذي يعتبر سلة الغذاء للعالم العربي، بحيث لم يتم الاستغلال الأمثل لإمكانيات السودان الزراعية في العقود الماضية، كما ويرى أن المشاريع العربية كان يمكن أن تشجع تطوير زراعة البن في اليمن بدلا من القات، عدا الاستثمار في الثروة السمكية والحيوانية في هذه البلدان وغيرها، ويصل الكتاب إلى نتيجة مفادها أنه لا أمن غذائي أردني على المستوى الاستراتيجي دون عمل عربي، وهو ما ينطبق على كافة الدول العربية، فالتجاذبات والتحالفات في بعدها الجيوسياسي تحتم على الدول العربية تأطير عملها خارج حدود كل دولة على حدة.
يستعرض الكتاب في الفصول اللاحقة التغير المناخي والسيناريوهات المتوقعة له في الأردن، ويلقي الضوء على الجهود الأردنية في هذا السياق، كما ويخصص فصلا كاملا عن انعكاسات التغير المناخي على الموراد المائي المستخدمة في مجالي الشرب والزراعة، وفي النهاية يقدم آثار التغير المناخي على استعمالات الموارد الأرضية وقطاعي الإنتاج الحيواني والنباتي في الأردن، وفي نهاية كل فصل خلاصة لأهم نتائجه تحمل بعضا من التوصيات للتحرك ايجابيا نحو العمل الجاد للبحث عن حلول تمكن الأردن من الحصول على وضعية ايجابية تجاه تحديات المستقبل وتأمين الأجيال القادمة لتمكينها من الحصول على فرصة الحياة الكريمة في عالم يتصارع على الموارد المحدودة وينصرف فيه العلماء عن تقديم حلول واقعية لمشكلات البشرية ومن أهمها مشكلة الغذاء تجاه العمل مع الشركات الكبرى وخدمة مصالحها ابتداء من مجالات الصحة والترفيه، وحتى التصنيع العسكري والنووي.
مؤلف الكتاب يعتبر أحد العلماء الأردنيين الواعدين وهو الدكتور نزار حداد، حصل على الدكتوراة في النظم الزراعية سنة 1999 من روسيا، وله العديد من الدراسات العلمية في مجال تخصصه كما حصل على مجموعة من الجوائز العلمية لأبحاث ودراسات قدمها في مجال تطوير صناعة نحل العسل ونقل التقنية الخاصة به، ومع أن تخصصه ليس قريبا من مجال التغيرات المناخية إلا أن تعامله مع الموضوع أتى من منطلق الحرص على تنبيه الأردنيين لضرورة التحرك من أجل الحفاظ على التنوع الحيوي في الأردن والعمل على تنمية القطاع الزراعي بما يحقق جزءا ولو بسيطا من الاكتفاء الغذائي، فالتحالفات الاجتماعية أصبحت تشكل أحد الأدوات لتوجيه صناع القرار على الاهتمام ببعض الجوانب ووضعها ضمن الأولويات، وتحريك الوعي الاجتماعي يعتبر ضروريا لتأسيس حالة التبني المطلوبة في مثل هذه القضايا الحساسة خاصة أن الكثيرين يجهلون فعليا أن تحديات قاسية مقبلة على المستوى العالمي وأنه لا توجد دولة أو مجتمع بمعزل عن التأثر بها بصورة مباشرة، ويجب أن يكون الدول أحد الدول التي تسعى لأن تضغط على المستوى العالمي لايقاف سعار التلوث والاستهلاك المحفز للتغيرات المناخية العنيفة.
الشاهنامة
عاش الشاعر الإيراني أبو القاسم الفردوسي في القرنين الرابع والخامس الهجري، وتميزت هذه المرحلة بتواجد الدول المستقلة في بلاد فارس وصعود الاعتداد القومي والميول الشعبوي الفارسي الذي تزامن مع تراجع السلطة العباسية في بغداد وفقدها لمعظم ممتلكاتها لمصلحة القادة العسكريين والولاة الذين استقلوا بالولايات المختلفة مع الابقاء على الولاء الشكلي للعباسيين، وكانت هذه الأجواء مناسبة لظهور رغبة ملحة لدى الفرس لكتابة تاريخهم القديم، أو تاريخ ملوكهم، فالشاهنامة، وهي الملحمة التي كتبها الفردوسي في أكثر من ثلاثين ألف بيت شعري تعني كتاب الملوك، وفيه يتتبع بحسب الذاكرة الشعبية الفارسية تاريخ الملوك الفرس منذ العصور السحيقة، فينسب للملوك الفرس محاربة الجن وهزيمتهم والسيطرة عليهم، واكتشاف النار واستخدامها في تطوير أدوات الحرب مما مكن الفرس من السيطرة على مناطق واسعة في البلدان المجاورة.
تبدأ الملحمة من عصور لا يمكن تحديدها زمنيا وتختلط فيها الوقائع مع الأساطير بصورة كبيرة، إلا أنها ومع الاقتراب إلى الدول الأحدث في تاريخ فارس القديم تميل إلى الحديث عن ملوك حقيقيين وإن كانت تنسب لهم دائما مآثر تحمل نفسا مليئا بالمبالغة، وكأنها تدين الدور الذي لعبه دخول الإسلام لفارس في تأخر الفرس وأفول مجدهم، ولقيت هذه الملحمة تقديرا بالغا لدى الفرس وما زالت تمثل أهم كتبهم التراثية على الإطلاق، وتعد مدخلا واسعا لتفهم الشخصية الفارسية التي ما زالت تقيم في ذلك التاريخ وتسعى ولو بصورة غير واعية لاستعادته من جديد، وما زالت التيارات القومية في فارس تلقى الكثير من الذيوع في أوساط الشباب خاصة مع استغلالها من قبل السلطة السياسية في تحشيد حالة تعبوية من الفرس ضد جيرانهم من العرب والأتراك والشعوب الأخرى في آسيا الوسطى، ولقي العرب النصيب الأوسع من عداء الفردوسي الصريح والمبطن في الشاهنامة وغيرها من تراثه.
الشاهنامة تعد من الملاحم الشهيرة في التراث العالمي ككل، وبقيت تحتفظ بكثير من جاذبيتها لبساطة لغتها ومهارة الفردوسي في صوغها دراميا دون أن يتورط في تفاصيل جانبية أو قصص ثانوية كما هي الحال مع الأساطير والملاحم الإغريقية.
مالك الحزين
يرحل الروائي المصري إبراهيم أصلان ووراءه عدد قليل من الأعمال الروائية، وعلى ذلك حققت أعماله نجاحات واسعة بين النقاد والقراء، وتحولت اثنتين من رواياته إلى أعمال سينمائية، الأولى رواية مالك الحزين التي قدمها داود عبد السيد بتصرف كبير في فيلمه «الكيت كات» والثانية عصافير النيل التي قدمها مؤخرا مجدي أحمد علي في فيلم يحمل نفس الإسم، وترجع حالة الإقلال في الانتاج الابداعي لأصلان لعنايته الشديدة بعمله ومراجعته مرارا وتكرارا كي لا يغرقه بالتفاصيل الزائدة أو يرهقه بالتكلف والتصنع، وعلى ذلك فإن هذه الروايات القليلة وفي مقدمتها مالك الحزين تمكنت من أن تضم على حجمها الصغير أو المتوسط عوالم متسعة من الدراما والشخصيات التي تحمل عمقا كبيرا يغري بأن يطلق القارئ مخيلته لمحاولة أن يكمل الرواية مع هذه الشخصيات على طريقته الخاصة، فالضرير في رواية مالك الحزين هو شخصية ثانوية في الأحداث، ولكنه في فيلم عبد السيد هو الشخصية المركزية التي تدور حولها أحداث الفيلم بأكمله، وجميع الشخصيات يمكن أن يتسع دورها في أي معالجة وبحسب القارئ، يمكنها أن تلفت الانتباه وأن تطرح نفسها على تفكيره وتتملكه إلى حد ما.
تدور أحداث الرواية في منطقة إمبابة الشعبية والشخصية الأساسية تحلم بالخروج من هذه المنطقة التي جمعت بطريقة عشوائية المهاجرين الصغار من الريف والصعيد فلم تتمكن إلا من بناء هوية ملتبسة قائمة على الصراع من أجل مكان تحت الشمس، وهذه الشخصيات تتصارع وتتزاحم من أجل فرصة معقولة لحياة كريمة، وبالتأكيد فإن الحديث عن أحلام كبيرة وأمور كتحقيق الذات أو تقديرها لا تدخل أصلا في قاموسهم اليومي، إنها رواية كتبت عن المهمشين لرجل أتى من صفوفهم وعاش بينهم وكان شاهدا على ضعفهم وقلة حيلتهم أمام التحولات التي شهدها المجتمع ككل في فترة السبعينيات حيث اتسعت الفجوة بين الفقراء والأغنياء بصورة مرعبة جعلت رغيف الخبز موضوعا لصراع يومي متعب، ودفعت الجميع لأن يبيع ما تبقى لديه، تسابق الجميع في البيع ابتداء من الممتلكات البسيطة والصغيرة والرمزية وحتى الذكريات والمبادئ والأحلام.
الشعر العربي ... قراءة غير نقدية (الحلقة الثانية)
الشعر يتشبث بتقاليد الارتزاق في مواجهة التثوير الأخلاقي
أتى الإسلام كرسالة إنسانية متفوقة من حيث المبدأ عن أي منظومة فكرية أو أخلاقية سائدة في الجزيرة العربية، وكانت القيم التي أقرها الإسلام تمثل صدمة للمجتمع العربي، وكان الشعراء من وضعهم الثقافي والاجتماعي في المجتمع العربي مقدمة من تأثرت أوضاعهم بالإسلام، فالذائقة العامة تحولت بصورة جذرية وبطريقة دراماتيكية، ولم يعد الشعر مجرد صناعة قائمة على الذاتية، كما لم تعد فكرة تغذية العصبية القبلية مطروحة على الأقل في المرحلة الأولى من الدعوة الإسلامية، كما كان القرآن الكريم يرسي قواعد تحولات كبيرة في اللغة والأسلوب، أمام هذه المعطيات لم يكن الشاعر العربي مؤهلا لتفهم ما يجري دفعة واحدة، فالنماذج التي أخذ يطلق عليها مؤرخو الأدب المخضرمين لم تتمكن في الإسلام من الحصول على هوية شعرية جديدة، فحسان بن ثابت الشاعر المتفوق في العصر السابق وصاحب اللغة المتميزة والقدرة الهائلة على الوصف تحول إلى شاعر تعبوي ملتزم، وبحيث لم تصبح مصالحه القديمة متمثلة في قصائده بعد الإسلام، إلا أن هذه القصائد حظيت بدعم الرسول الكريم على أساس دورها الثقافي في المجتمع الجديد، فالرسول كان يقدر أهمية الشعر العربي ودور الشعراء في الحياة العامة، وكان متمكنا من اللغة ويقدر التراث الشعري وإن لم يتعرض له إلا في مناسبات قليلة أو معدودة بالأحرى، ولكنه لم يقيد الشعر وإن وضعه أمام المعيار الأخلاقي في مجتمع لم تكن الأخلاقيات سوى استجابة لحاجات أولية تمليها علاقة الإنسان بالصحراء وقوانينها.
في العصر الإسلامي الأول لم يتمكن الشعراء من الارتزاق بشعرهم، فمن ناحية تحولت مراكز الثقل الاجتماعي إلى الصحابة، وكان عصر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب واختياراته للولاة وتحفظه الشديد في السياسة المالية بمثابة الكارثة على الشعراء، ولم يكن عمر بالشخص الذي يميل للمديح أو يخاف من الهجاء، وبالتالي لم يكن لولاته أو حتى أثرياء المجتمع الإسلامي أن ينصرفوا للشعر بذات الطريقة التي سادت في العصر السابق، وباستثناء الحطيئة لم يشهد العصر الإسلامي الأول شاعرا يمكن التعويل عليه من حيث القيمة الأدبية، ولعله الشاعر الوحيد تقريبا الذي دفع عمر بن الخطاب ليفصل في قضيته حين توجه بهجائه الماكر واللاذع للزبرقان بن بدر في بيته: دع المكارم لا تذهب لبغيتها .. وأقعد فأنت الطاعم الكاسي، ولما لم يجد عمر في البيت ما يسيء للزبرقان احتكم إلى حسان بن ثابت الذي حكم بأن البيت هجاء لاذع للزبرقان فأمر بحبس الحطيئة حتى تشفع له بعض الصحابة واستجدى عمر بشعر لا يقل روعة عما قاله في هجاء الزبرقان:
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ
زغبُ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجرُ
غادرْتَ كاسبَهم في قعر مُظلمة
فارحم هداك مليكُ الناس يا عمرُ
أنت الإمامُ الذي من بعد صاحبه
ألقى إليك مقاليدَ النُّهي البشرُ
لم يؤثروك بها إذ قدّموك لها
لكن لأنفسهم كانت بك الأثرُ
فامنن على صبيةٍ بالرَّمْلِ مسكنُهم
بين الأباطح يغشاهم بها القدرُ
نفسي فداؤك كم بيني وبينَهُمُ
من عَرْضِ واديةٍ يعمى بها الخبرُ
وكانت من شروط عمر بن الخطاب للإفراج عنه أن يقف عن مذمة المسلمين، ولكن الحطيئة لم تكن تعوزه الحيلة في ذلك، فهو شاعر مرتزق ورخيص، فإن لم يشتري الناس مديحه دفعهم لشراء سكوته، أما هو فلم يكن ليتأثر بأي نقد أو هجاء، صعلوك كامل، لا يضيره أن يوصف بالخسة والنذالة والجبن، وتعلل الحطيئة لعمر بأن توقفه عن الهجاء سيقطع مصدر رزقه الأمر الذي دفع بالخليفة بأن يمنحه من بيت المال لتجنيبه أعراض المسلمين، ولم يتجرأ الحطيئة على الهجاء طيلة حياة عمر بن الخطاب.
ما كان يمارسه الحطيئة هو الروح الطبيعية للشعر العربي، وكان الإسلام يقيد هذه الروح ويحاول أن يهذبها، ولكن ذلك لم يرق للعرب كثيرا، فابتزاز الحطيئة هو التعبير الحقيقي عن منظومة قيمية كاملة، مجموعة من العادات اللغوية والسلوكية القائمة على مجتمع المغانم والغزو والإغارات المباغتة، مجتمع ينتظر الفرصة لاقتناص اللذة مع المرأة ثم يتلذذ بزجها في أتون الفضيحة والتشبيب، هذا المجتمع كان يمثله الحطيئة وكان الإسلام يحاول الخروج به إلى مجتمع قائم على المكاشفة والانفتاح والمساواة والعدالة، ليست بمعناها الشائع المتعلق بالحقوق وإنما في معناها الأوسع الذي يشمل العقلانية والمنطقية في التعامل مع الحياة، ولكن الردة حدثت، ولم تكن هذه المرة ردة من قبائل امتنعت عن أداء فروض الإسلام، وإنما ردة من الداخل، وكانت الطعنة المسمومة التي تلقاها الإمام علي تعلن نهائيا أفول الثورة الأخلاقية الإسلامية لتبدأ ثورة جديدة من التأسلم، ومع جثة الإمام علي المسجاة على الأرض ومعها الشرعية الشعبية صعدت طبقات جديدة من قادة الجند والأمراء وفقهاء السلاطين والتجار وبين هؤلاء جميعا كان للشعراء مكان، بيئة مظلمة ودافئة، لا هي حارة ولا باردة، لا هي مستقرة بالأمن ولا مشتعلة بالثورة، هذه البيئة تمنح الفرصة لنمو الطحالب والطفيليات أيضا، وفي ذلك العصر كان الشعراء يكتبون واحدة من أردأ الصفحات التي كتبت في الشعر العربي، في الشعر في العالم كله، واحدة من جرائم التعبير في كل العصور وجميع اللغات، هذه قصة الشعر العربي في العصر الأموي، بالطبع يفلت بعض الشعراء من هذه التصنيفات ويحاولون الانعتاق بحسب المتاح أمامهم، ولكن الكثيرين يسقطون أمام تلال المال والذهب وطالما أن بيت المال مفتوح فالضمائر أيضا مفتوحة للتفاوض والمساومة.
لأسبوع قادم تبقى سعاد لكعب بن زهير أروع قصائد عصر صدر الإسلام، ولأن أفعل التفضيل لا تتناسب مع الشعر وليست سوى واحدة من العيوب النقدية العربية، فلنقل بأن سعاد قصيدة من أعذب الشعر العربي الذي ليس بالضرورة أكذبه
بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ
مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ
وَما سُعادُ غَداةَ البَينِ إِذ رَحَلوا
إِلّا أَغَنُّ غَضيضُ الطَرفِ مَكحولُ
تَجلو عَوارِضَ ذي ظَلمٍ إِذا
اِبتَسَمَت كَأَنَّهُ مُنهَلٌ بِالراحِ مَعلولُ
smahariq@gmail.com

