د.إبراهيم خليل - في الصفحة ذات الرقم 128 يظهر للمرة الأولى العنوان الذي اختاره المؤلف محمود الريماوي لروايته الجديدة «حلم حقيقي» (كتاب «دبي الثقافية»، 2011)، فقد جاء في بيان لرابطة غامضة يحمل عنوان «حلم حقيقي»، أن السنة الواحدة من العمر يمكن أن تباع بخمسة آلاف جنيه أو يورو، وأن هناك من يدفع أكثر من هذا المبلغ. فأربعون سنة كئيبة من العمر يمكن أن تستبدل بها ثلاث أو أربع سنوات بهيجة. وهذا شيءٌ يفضل حياة مديدة بما يكتنفها من تعاسة. وتأكيداً لهذا يرد في بيان آخر أن الأمر لم يعد مجرد حلم، فهناك من اشترى فعلا سنوات لإطالة عمره عبر الوقوع على مستشفى مناسب، أو عيادة جيدة، أو طبيب ممتاز، فالمسألة لم تعد تستحق الفضول حسب، بل تستحق المغامرة.
ومسوغ الإقبال على نشر هذه البيانات على مواقع إلكترونية عديدة جاء من حيث أنّ التحقيقات التي أجراها بطل الرواية (مينو) وهو صحفي يعمل في صحيفة «النبأ» أثبتت، بما لا يدع مجالا للشك، أن البعثات الطبية الأجنبية التي تقوم بجولات في بعض الدول النامية، والفقيرة، مثل بنغلادش، لا تقوم بتشخيص الحالات المرضية، وصرف العلاج مجاناً، لسواد عيون الناس، وإنما هي ضالعة ضلوعاً مباشراً في عمليات تستهدف أحد أمرين: تجريب بعض الأدوية الجديدة على أشخاص من أبناء العالم الثالث، والحصول على أعضاء بشرية وخلايا جذعية سليمة، ليجري تسويقها وزراعتها لدى مرضى من العالم المتمدّن.
وعلى العموم يتضح أنّ مثل هذه البعثات، ومنها البعثة التي تدور حولها حكاية «مينو»، لا تستطيع القيام بمثل هذه العمليات، دون مساعدة من أطباء وفنيين محليين يعملون في هذه الوزارة أو تلك. وهي عمليات تشبه عمليات غسيل الأموال، مع فارق كبير، هو أنّ ضحاياها ليست مبالغ مالية وإنما أرواح بشرية وأناس يفتقدون حياتهم في ظروف غامضة.
وذلك شيء تطوع له أحد شخوص الرواية البارزين، وهو «رحيم»، الذي درس في الجامعة، وتزوج من رشيدة عضو «الحزب الوطني»، نصيرة المرأة، الداعية بحرارة لتخفيض المهور، وإذا أمكن التخلي عنها، وعن تلك العادة التي تفرض على ذوي الفتاة تقديم المهر والأثاث، وما إلى ذلك. وبعد تخرجه في كلية العلوم الطبية المساعدة عمل في وزارة الصحة ليصبح في وقت قياسي رئيساً لقسم الأشعة. وعلى الرغم من أنه كان يعتزم الانضمام لمنظمة «النزاهة» -وهي في ما يبدو هيئة تشبه هيئات مكافحة الفساد في دول أخرى– يعترفُ، على الرغم من ذلك، بتعاونه مع أولئك الأطباء، وأن تعاونه معهم كان ضروريا كي لا يجري اكتشاف الجريمة التي ينفذونها بأيادٍ بيض كالملابس النظيفة التي يرتدونها في العيادة.
يقول «رحيم»: «كنت أخلط في صور الأشعة التي أقدمها لأطبائنا المحليين، أمنحهم صوراً ذات نتائج أفضل من الصور الحقيقية، صوراً لمرضى آخرين» (ص 125). والغاية من هذا التعاون، بالطبع، القضاء على هامش المجازفة في العمليات أولا، والظفر ببعض المقابل الذي لم يتعدّ علاقة جنسية بإحداهن ثانياً: «كانت جميلة ومثيرة، تعالج كبتي الشرقي» (ص 126). ومن نتائج تلك العلاقة أن زوجته اشتمت رائحة الخيانة، فألحت على ضرورة الانفصال، وانفصلا فعلا قبل نشر التحقيق الذي كشف عن الظاهر والمستور، بأيام قليلة جدا.
فحبكة هذه الرواية، على الرغم من بساطتها اللافتة، تحتاج إلى جهد كبير يبذله المؤلف كي تطّرد متوالياتها السردية اطّرادا يحافظ على تسلسلها الدقيق، وما هي في حاجة إليه من تشويق. وذلك لأن الموضوع، إذا جاز التعبير، من الموضوعات الشائكة، التي تتطلب اطلاعا كافيا من المؤلف على مثل هذه الجرائم المنكرة التي تقع في المجال الطبي، وهو مجالٌ غريب على كاتب قضى القسم الأكبر من حياته في العمل الصحفي. وهو عمل بعيد جدا عن الطب. يضاف إلى ذلك أن المكان الذي تقع فيه الحوادث، وتجري، مكانٌ آسيوي، ويعد المؤلف أجنبيا عنه بالقياس لكاتب آخر يعيش في المكان نفسه على المستويين الجغرافي والاجتماعي، ما يتطلب، بالقدر نفسه، جهداً في التعرف على بيئة الحوادث، وعلى الشخوص، وعلى ما يعتادونه من تقالي، وأعراف، إن كان على مستوى العلاقات الشخصية، أو الحياة اليومية.
ولا يُستبعد أن يكون الريماوي قد أفاد من مصادر عدة في الوقوف على تفاصيل الحياة اليومية في «دكا»، والتعرف على بعض الأسماء والأماكن، من خلال شبكات المعلومات، والمواقع الإلكترونية، ومحركات البحث. فعندما تبدأ الحكاية، مثلا، يشير الراوي العليم لانتشار شائعات عن اللجنة الطبية، مثلما تجري الإشارة إلى مدون هو «خالد مشتاق» الذي يتعرف القارئ به في نهاية الرواية، مثلما يتعرف بشقيقته الطبيبة «بلقيس» التي تصبح هي وأفراد العائلة من أصدقاء «مينو» (ص120)، فتدلي إليه بمعلومات دقيقة عن تجريب الأدوية واختلاس الخلايا الجذعية من الأشخاص، واجتثاث أعضاء بشرية سليمة لنقلها إلى مرضى آخرين من ذوي البشرة البيضاء النقية. ولموقع «التنين» الإلكتروني هو الآخر دوره في ترتيب الحوادث، وإغنائها بالأدلة الدامغة التي تثبت لاحقا أن الإشاعات ليست أكاذيب، وإنما حقائق.
إذا عدنا بالقارئ لبداية الرواية تذكرنا «مطيع» رئيس تحرير صحيفة «النبأ»، و»مينو» الذي يكلف بالذهاب إلى العيادة والتظاهر بالمرض، ليس مرة واحدة بل مرارا. وفيها يلتقى لأول مرة ب»رحيم». وتقتضي الحبكة أن يقدم الكاتب من خلال الراوي العليم شيئا عن هذا النموذج الفريد، ويستغرق بناء هذه الشخصية بما فيها من تفاصيل نحو ثلث صفحات الرواية. وقد يقول بعض القراء إن في ذلك مبالغة، أدخلت القارئ في رواية أخرى تضاف إلى الرواية الأصل «حلم حقيقي»، ولكن هذا انطباع غير دقيق، وذلك لأن وظيفة «رحيم»، بوصفه أحد شخوص الرواية، تمتد من الاستهلال حتى الخاتمة. ولهذا كان رسم هذه الشخصية بما لها من ملامح دقيقة، جزءا لا يتجزأ من حبكة الرواية.
فقد ركز الراوي على علاقته ب»الحزب الوطني»، مثلا، وعلى علاقته ب»رشيدة»، التي تتبنّى رأيا مختلفا عن رأيه في مسائل تختص بالمرأة. وركز أيضا على علاقته بالجامعة، وعلى حكايته مع «قدير رحمن» تاجر الأخشاب والد «رشيدة» الذي رفض بادئ الأمر زواجه بابنته، ثم تراجع عن ذلك في ما بعد. وركز على دعوته المتكررة ل»مينو» على أساس أن ملازمته له جزء من مراقبته للصحفيين حتى لا يفتضح أمر الأدوية قيد التجريب، والأعضاء التي يراد لها أن تهرّب إلى الخارج بعد أخذها من المرضى بعلمهم، أو دون علم منهم ومن ذويهم. ثم يأتي لقاؤه ب»مينو» بعد نشر التحقيق الصحفي في 7 أيلول 2009 ليكشف عن أسرار أخرى اكتنفت المسألة، وعن الدور الذي أداه في هذه المسرحية المأساة. تضاف إلى ذلك حكايته مع وزارة الصحة التي أقصته من الخدمة بعد أن أكدت التحقيقات صحة الاشتباه بما كان يقوم به من تضليل للأطباء المحليين عن طريق التلاعب بصور الأشعة على النحو الذي يعترف به لمينو.
ثم إنّ شخصية «رحيم» –الذي ليس له من اسمه نصيب- شخصية طريفة جداً، تجتذب انتباه القارئ بما فيها من تناقض. فهو لا يهتم بالمشكلة النسويّة ما دامت بعيدة عن أن يكتوي بنارها، ولكنه عندما يفكر بزواج شقيقته يتمنى لو أن المجتمع يعمل بما تدعو له «رشيدة» كي لا يتكبد نفقة زواج شقيقته. ويريد الانضمام ل»منظمة النزاهة» على الرغم من أنه يده غارقة في الفساد. ومع ادعائه الوطنية لا يفكر إلا بالهجرة بعد أن أقصي من عمله في وزارة الصحة. وحتى عندما كان تلميذاً في المدرسة لم يكن سويا في نظر زملائه ومعلميه، فقد رفض أن يكون أبوه مثله الأعلى، ورفض أن يكون معلمه مثله الأعلى إلا بشرط، هو أن يمنحه أعلى درجة في الاختبار. فجلّ ما يصدر عنه من مواقف رهن بما يتقاضاه من مقابل، وما يتحقق له من منافع.
وهذه التفاصيل –مجتمعة- ضرورية للقبول -لاحقا- بما يُنسب له من تعاون آثم مع الأطباء المشبوهين. وهو تعاون أبى أن يَعُضّ بسببه أصابع الندم، فكأنّ ما قام به واجب اضطرته إليه طبيعته النفسية، وسجاياه الخبيثة. ودون هذه البنية التحليلية لشخصية «رحيم» يصعب أن يسند المؤلف إليها هذا الدور، وأن تناط بها هذه الوظيفة.
أما «مينو» فهو الشخصية الأبرز في الرواية، كونه يؤدي وظيفتين اثنتين، لا واحدة. فعلاوة على أنه هو من يسعى لكتابة التحقيق الصحفي، الذي يميط الستار عما يجري في الخفاء، فتقوم لذلك الدنيا ولا تقعد، فإنه يمسك بخيوط السرد أيضاً، ويحرك الشخوص، تارة في هذا الاتجاه، وطوراً في ذاك، تحريكاً غير مباشر، ملتبساً –في أثناء ذلك– بالراوي العليم الوهمي، فإذا نحن تأملنا البنية الجوانية للسرد تكشف لنا أن جل ما جاء عن شخصيات «رحيم» و»رشيدة» و»قدير» و»خالد مشتاق» و»بلقيس» والصحفيين المتدربين و»مطيع» رئيس التحرير و»شيفالي» رفيقته المسلمة في الصحيفة، إنما جرى سرده عبر رؤية «مينو»، فهو السارد الحقيقي. وهو من ينقل لنا ما يجري من حوار داخلي لدى هذه الشخصيات نقلا غير مباشر فيه بعض التصرف، لكنه لا يختلف، في قليل أو كثير، عن أي مونولوج نقرؤه في رواية من الروايات التي تعتمد تقنية تيار الوعي.
مرد ذلك أن الريماوي، في هذه الرواية، ينتفع انتفاعا كبيراً من خبرته العميقة في كتابة القصة القصيرة. وقد تجلى تأثير هذه الخبرة في روايته الأولى «من يؤنس السيدة؟»، على الرغم مما يسودها من ثنائية الغرائبي والواقعي. وهو في «حلم حقيقي» يوظف خبراته الموصولة في الكتابة القصصية عن طريق السرد الذي يمعن في تتبع التفاصيل، مع مراعاة التوازن بين ما يقال على سبيل التحليل النفسي للشخوص والتتبع الخارجي لما يقال في سرْد المتواليات، وهذا غالبا يغفل عنه بعض الروائيين ممن يفتقرون أساسا لخبرة كاتب القصة القصيرة. وهذه فقرة قصيرة نقتبسها عشوائيا للتمثيل لا أكثر:
«امتقع وجهه، لقد احتمل أن يكون رفيقه الجديد غامضا، أما أن يخاطبه بفوقية على هذا النحو وينال من كبريائه، فهذا ما لن يرتضيه. تململ في جِلسته، ولم يدر أن وجهه شحب. وما إن تنهد وحاول الاحتجاج على ما سمع حتى غلبت عليه دواعي الاحترام لرفيقه الذي يكبره سنا، وقد ساعده رفيقه على الخروج من الاضطراب» (ص 24).
فتداخل الوصف التحليلي بالتحليل النفسي الذي يتضمن إضاءة لما يمور في عقل الرجل (مينو) من هواجس وتداعيات أظهر من أن يخفى. وتداخل السرد «تململ في جلسته»، والكشف عن ردود الفعل «لم يدر أن وجهه شحب» أظهر من أن يخفى.
إلى جانب ذلك يتجلى الالتفات إلى الآخر (رحيم) عبر الحوار، ولكن هذا الحوار يأتي في سياق ما يرصده الراوي من تداعيات تجعل منه شخصية شبيهة بالسارد المُمَسْرح الذي يؤدي دوراً في الحوادث، وهذه طريقة تشيع في كتابة القصة القصيرة بصفة مطردة، وهي مطردة أيضا في هذه الرواية، التي تكتسب من القصة القصيرة صفة التركيز، خصوصاً في الزمن، أو المدة التي تستغرقها الحكاية، وهذا التركيز الذي لا يتنافى مع مراعاة التفاصيل في المشهد السردي، أضفى عليها تماسكا في الشكل بشبه التماسك النصي في القصة القصيرة، وإن كان هذا لا يدعو لإثارة الأسئلة حول تجنيس هذا النص، وهل هو رواية أم قصة؟ فعلينا أن نتذكر روايات أخرى مثل «الجريمة والعقاب»، عمد فيها كتابها إلى نسق تضيق فيه المدة وتتسع الحكاية.
«حلم حقيقي» رواية تتناول شأنا جديداً هو جرائم الطب، وذلك يمثل اتجاها بكراً. وتدور حوادثها في بيئة غير محلية، وذلك فيه ما فيه من الاتساع بأفق الرواية. وتعنى بتحليل الشخوص تحليلا يلقي بالأضواء المفسّرة للوظائف التي تنهض بها في النصّ. ويَطّردُ فيها تسلسل الحوادث اطراداً لا يخلّ بالتشويق، الذي هو المظهرُ اللافت في الرواية الجيدة ذات العقدة البوليسية، أو القريبة من هذه العقدة.