بعد عشر سنوات على وفاته، لا يزال «بيار بورديو» ينبض.. في الوقت الذي تجنح فيه فرنسا باتجاه عالم اجتماعي نرث فيه اكثر مما نستحق، يبدو ان نطاق بحوث عالم الاجتماع حول «الورثة» يمتد الى خارج ميدان الجامعات، ليصل الى المجتمع بأسره...
وفي حين يتأرجح الفكر بين انطوائه في برجه العاجي ومرافقته ل«التفكير الإعلامي السريع» (Fast Thinking)، يبقى التزام بيار بورديو الفكري ثميناً جدا. فبالرغم من تناقضاته، أراد الاخير الدفاع عن «سياسة العقل الواقعية»، عبر التعبئة العلمية.
وبتعبير أكثر «بورديوزية»: تعبئة معرفته في علم اجتماع الهيمنة لخدمة السياسة التحررية.
بعيدا من «الثورية السارترية»، وهي الشخصية التي انتقدها لفترة طويلة والتي أذهلته بصورها الرومانسية، وإبان تدخله الشهير في دعم المضربين في فرنسا في كانون الاول 1995، بدا بورديو في البداية إصلاحيا شجاعا. اقتراحاته «من أجل تعليم للمستقبل» والتي صاغها في العام 1985 مع «كلية فرنسا» وسلّمها الى الرئيس فرانسوا ميتران، تبقى نموذجا لما يستطيع العلماء إنتاجه على مستوى الاتجاهات السياسية.
لم يحتفظ من هذا الاقتراح سوى بخيبة الأمل بعدما تحوّل كما يقول، وبفضل بعض الاشتراكيين، إلى «ملحق» في «رسالة رئيس الجمهورية الى جميع الفرنسيين» الخاصة بالمرشح ميتران خلال حملته العام 1988.
وبالرغم من ترؤسه في العام 1989، لجنة خاصة بمحتويات التدريس، اتجه تدريجيا إلى الالتزام السياسي الأكثر راديكالية. وعليه، أعلن العام 1999 إنشاء «الحركة الاجتماعية الأوروبية» لمواجهة التقشف في الميزانية الذي يفرضه «الأوصياء على اليورو»..
اليوم، وفي الوقت الذي تعبّر فيه فرنسا المتوارية والمتضائلة عن معاناتها، تعتبر العودة التأملية إلى كاتب «بؤس العالم» دعوة إلى التحرك... لان «ما فعله العالم الاجتماعي، يمكن للعالم الاجتماعي نفسه ان يتراجع عنه»، كما قال بورديو...
عندما لم يكن هناك من يناقش مسألة محتوى وسائل الإعلام أو استقلالها، كان لبورديو انتقادات، مطبوعة في الأذهان، حول «التأثير على الصحافة»، المهنة التي لطالما أراد جعلها «موضوعية». تركت هذه المناوشات أثراً، لا سيما في هذه المهنة التي اتهمته بالتعميم. ولكن وجد البعض في بورديو حليفا أضاء على الاساليب التي قد تؤدي إلى انصياع صحافة الولاءات للأقوياء..
منذ مهماته الأولى في الجزائر، لم يكفّ بورديو عن جعل السوسيولوجيا النقدية سلوكا مدنيا. أما الانتقادات فلم تكن قليلة: العلمانية، الاختزال، النسبية، السلطوية، اليسارية.. حقيقية كانت أم زائفة..
من المستحيل تلخيص فكر بيار بورديو. ومع ذلك.. كان يقول بنفسه ان أفكاره محمولة في مقولة لباسكال: «العالم يفهمني، ويبتلعني كالنقطة، ولكن أفهم»... ان نفهم كيف ان العالم الاجتماعي يكوّن الاجساد والاذهان بهدف التحرر من القيود، كان أكثر ما شغل بورديو. كيف نلخص اذاً الانسان الذي شكّله بورديو؟ هو أشبه ب«شاب يعايش الغضب»... قالها يوماً «اذا كان العالم يطيقني فلأنني أستطيع أن أكون ساخطاً».
نيكولا ترونغ
«لوموند الفرنسية»