الزيارة التي قادتني الى القاهرة ومنها كتبت مقالي السابق بعنوان من قاهرة المعز، بعض المصريين الذين يعرفونني شخصيا وكانوا قرأوا مقالي من موقع الرأي الإلكتروني، احتجوا على العنوان وكان بودهم ان يكون العنوان (من قاهرة عبد الناصر )، لم أخف استغرابي ومعارضتي علما اني من محبي الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، لكن مثل هكذا تسمية لا يقولها الا عدد قليل من أبناء الشعب المصري، ربما لا يفهمون كيف جاءت هذه التسمية التاريخية، أو ان هؤلاء وأمثالهم وجدوا في عبد الناصر حالة نادرة من الشهامة والنزاهة ونظافة اليد والسمعة والشرف، لم يروها في من جلس بعده على كرسي الرئاسة مع الفارق لكل منهم.
الفضول كان يدفعني للذهاب الى ميدان التحرير كي اطلع على ما يدور هناك، الجموع التي كانت تحتشد هناك تختلف من يوم الى يوم في العدد والشعارات، كان اعظمها يوم الجمعة حيث تكاد ان لا تجد موضعا لقدمك، ويخيّل اليك ان مصر كلها من مختلف المستويات والطبقات والأعمار، متواجدة في هذه البقعة التي تتوسط مدينة القاهرة، التي هي بمثابة عاصمة للوطن العربي أجمع تبعا لعراقتها وما أفرزته من قيادات سياسية وثقافية وعسكرية، إضافة الى الكم الهائل من المبدعين في العلم والأدب والفن.
الشعارات التي كانت تردد في الميدان او المكتوبة وكذلك الخطابات والمداخلات التي سمعتها أو قرأتها، كان يصب معظمها في المطالبة بمحاكمة الطغمة الحاكمة التي أطيح بها، وحاشيتها من الفاسدين الذين أثروا ثراء فاحشا غير مشروع، على حساب لقمة عيش الانسان المصري الغلبان، وكذلك المطالبة بشدة في تسريع تسليم السلطة من العسكر الى قيادة مدنية، سيما ان مجلس الشعب المصري قد اكتمل وراح يعقد جلساته ويناقش القضايا الملحة، وكما هو معلوم غالبيته من التيار الاسلامي الذي كان محظورا في العهد البائد كما يحلو للمصريين ان ينعتوه.
لفت نظري خلال وجودي في القاهرة انه خلال متابعة بعض الكتاب والمثقفين، ثمة من يطالب بعدم الاستعجال في اتخاذ القرارات الاصلاحية قبل دراستها والتأكد من مدى نجاعتها ومواءمتها لواقع الحال، في حين ان البعض الآخر ومنهم الكاتب المصري محمد ابراهيم الدسوقي، كان شن هجوما قبل يومين على صفحات جريدة الأهرام القاهرية على المجلس العسكري الأعلى متهما إياه بالتباطؤ في تسليم السلطة للمدنيين، وذلك رغبة منه بإخضاع مصر كلها الى بيت الطاعة، وكأنها زوجة نشاز يتعين تهذيبها واعادتها الى جادة الصواب على حد قوله.
الحراكات الشعبية عادة وان كانت النظرة لها ايجابية بوجه عام، الا ان الحقيقة اثبتت بما لا يدع مجالا للشك انها قد تصبح مرتعا خصبا للانتهازيين والمنتفعين من قوى الشد العكسي، اضافة الى هواة الفوضى العارمة من الدهماء والخارجين على القانون، لدرجة اني شاهدت بأم عيني بعضا من شوارع القاهرة تخلو تماما من أي شرطي، كي ينظّم حركة السير التي يختلط فيها الحابل بالنابل، أو على اقل تقدير ليمنع أرتالا من مركبات صغيرة يطلق عليها (التوك توك ) من معاكسة السير وتعطيل حركة المرور !
[email protected]