يمكننا التغني بمكارم الأخلاق التي جبلنا عليها، هكذا لمجرد أننا عرب، يمكننا الإدعاء أن ثقافتنا تعبير كامل عن الخلق والخير، ولكننا حين نتعرض للتجربة المرة بشر مثل سوانا، تتقلب وجوهنا وتبرز الغربلة الحادة ما يطفو على السطح فجأة من فساد أو شر أو خير وصلاح.
لن تعرف الكريم النبيل حتى تمتحنه، ولن يكون حكمك صائباً على من يبدو شريفاً فتثبت التجربة أنه نذل، ولن تفرق بدقة بين الظالم والمظلوم حتى تراهما أمام الخيار الحقيقي، ولن يظهر الإنسان الذي يبدو سوياً وجهه المريض إلا إذا وقف أمام مرآة التجربة.
ثقافتنا المجتمعية ترجح عناصر الخير بكل تفاصيلها في الإنسان، فقد قطعت الإنسانية شوطاً كبيراً وتعلمت من أخطائها و صراعاتها، ولكن لكل حضارة ثقافتها أيضاً، وقد يعكس فيلم experiment»» «التجربة» الأمريكي فكرة عن نظرة الحضارة الرأسمالية للإنسان، حيث لا إيمان حقيقياً وعميقاً بخيره، بل وهناك ترجيح لشيطانيته وفساده، يستوقفني الفيلم لأنه بصورة غريبة يؤشر على أوضاعنا الراهنة، على صعيد العلاقات المحدودة أو على صعيد الدول، حيث يجد الإنسان نفسه في حصار من العسير أن ينجو بروحه النبيلة منه.
في فيلم يحمل عنوان «التجربة» قام نفر من العلماء المنحرفين أخلاقياً بوضع جماعة في سجن افتراضي، وقسموهم إلى سجانين ومسجونين، مقابل مبلغ كبير من المال، هو في الواقع عادي بالنسبة للمجتمع الأمريكي، إذا يقدر بأربعة عشر ألف دولار، وهو مبلغ يماثل الحد الأدنى لدخل الفرد السنوي، مما يعني أن المنتسبين للتجربة في حاجة ماسة إلى المال، وهم مواطنون عاديون طيبون ليس لهم تاريخ في العنف أو السجن، تستمر التجربة لأسبوعين يراقب خلالها سجنهم بواسطة الكاميرات، في خلال أيام لم تتجاوز الستة انقلب الرجال على بعضهم البعض، وبرزت عقدهم النفسية وتسلط بعضهم ووقوع آخرين في دور الضحية، وحيكت المؤامرات ووقع عنف مفجع بين رجال كانوا مسالمين، حكت التجربة معدن الإنسان بقسوة ليبرز الحيوان وراء الوجه المدني الذي كان، وقد انتهى الرجال في معظمهم إلى قتلة ومجانين.
هل ما تمر به أمتنا تجربة تشبه الحصار «السجن» حيث الخيارات ضيقة وأحلاها مر؟ هل عجزنا عن تنمية بدائل نبيلة نراهن عليها من أجل مستقبل أفضل؟ و إلا كيف نفسر العنف في العراق ومصر واليمن، وسوريا حيث الألوان فاقعة ملطخة بالدم، كيف نفسر انقسام المثقفين في خنادق متصارعة؟ ولماذا رضينا بدخول تجربة مسمومة كهذه رغم أننا أصحاب قضية توحد أهدافنا كما توحد عدونا وتيسر لنا معرفة العدو من الصديق، لماذا اختلطت الأوراق إلى هذا الحد؟ وهل سنفشل كأمة في التجربة الموجعة التي حبسنا أنفسنا فيها إثر زمن طويل ارتضينا فيه الخنوع؛ فبدا أننا أفراداً وجماعات، رجالاً ونساءً، مواطنين وحكاماً مسالمون أسوياء؛ ولكن الأعاصير التي تحك معدننا تبرز ملامح جديدة، حيث الظالم والمظلوم يذهب إلى العنف، حيث وجه الإنسان النبيل الوادع الجميل يتبدل.
أراهن أن الخير فينا باق إلى يوم الدين، والتجربة ليست إلا فيلم أميركي .