الصمت العربي المريع ازاء الاحداث المتسارعة في فلسطين والعراق وتصاعدها ودمويتها والافراط في استخدام القوة ضد المدنيين في غزة وسامراء والفلوجة ومدينة الصدر والضفة الغربية يؤشر على حجم المأساة التي يعيشها الشعب العربي في فلسطين والعراق، ويطرح سؤالا كبيرا ماذا حل بالعرب؟ والسؤال مع أنه بسيط الا أنه يؤكد على حالة الموت والاستهتار والذل وقلة الحيلة والمثل الشعبي >اللهم نفسي< وحين نتأمل الاحداث اليومية وما نشاهده من مناظر القتلى واشلائهم وخصوصا الاطفال والشيوخ والنساء وكيف تختلط اجسادهم بالتراب والحديد، وصراخهم لا يثير أدنى شفقة لا عند ابناء جلدتهم ولا عند دعاة الديمقراطية والحرية والسلام تلك الحرية المقلوبة والديمقراطية الموهومة التي وعدت بها الادارة الاميركية شعب العراق قبل الاحتلال وبعده، والسلام الذي ينتظره شعب فلسطين من الادارة الاميركية الحالية·
وها هي السنة تلو الأخرى في فلسطين والعراق تنتهي في حمام دم لم يعرفه شعب العراق وفلسطين في تاريخهم الحديث، فهل هذه هي الديمقراطية الموعودة، إنها ديمقراطية متعجرفة ومتغطرسة تتسم بالغرور والايمان المطلق بالقوة، وأية ديمقراطية تتحدث عنها، وأية خديعة تمارسها قوات الاحتلال أمام العالم في فلسطين والعراق، إنها ديمقراطية الذبح والمجازر والقمع والهمجية، أية ديمقراطية سينادي بها العربي بعد أفلام الرعب التي تمارسها ضد شعب اعزل تتهمه كله بالارهاب لأنه يقول: لا للاحتلال، لا للدمار، لا لنهب ثرواته، ضد شعب لم يحقق له الاحتلال سوى المعاناة والقهر اليومي ونشر الآلام، اننا امام سيناريو شارون وسلوكه المتغطرس ونهجه العنصري تمارسه قوات الاحتلال ضد شعب العراق وفلسطين، لكي تتضح الابعاد الديمقراطية والسلوك العنصري التتري لادارة الاحتلال ومشاريعها ومحاولاتها اجهاض الحلم العربي الذي طالما تاق الى الحرية والحياة الآمنة، هذا الحلم الذي دفع العربي ثمنه من دمه واستقراره وحياته منذ زمن بعيد وهو ينتقل من حرب الى حرب الى جوع وقهر وحصار الى احتلال ونهب ومجازر لا تقارن ببطش اي نظام دكتاتوري على وجه الارض، نحن أمام مخطط يقتل كل شيء، نحن أمام سلوك وبطش وارهاب وتدمير وقصف وحشي وابادة جماعية لشعب يرفض الظلم والاحتلال، شعب بدأ مقاومته المشروعة منذ اتضحت نوايا الاحتلال، هذه المقاومة في النظر الديمقراطي الاميركي الاسرائيلي لا تجوز لأنها خارجة على القانون، إنها مقاومة غير مشروعة، ونحن لا ندري اين المقاومة المشروعة في النظر الاميركي الاسرائيلي، هل المقاومة المشروعة أن يأخذ الشعب المحتل الأذن من سلطات الاحتلال حتى يقاوم، ومتى كانت المقاومة الوطنية في أية دولة شرعية في نظر الاحتلال؟!
ولماذا تبرر قوات الاحتلال هذا المستوى من البطش والتدمير واستخدام الطائرات لقتل الناس واصطيادهم في بيوتهم وسياراتهم، هل هو الدفاع عن النفس، ومن اجبرهم على احتلال بلاد ليست بلادهم اذا كانوا يرغبون العيش بأمان؟ هل يستحق مشروع نجاح الرئيس الاميركي لدورة ثانية كل هذه الاعداد من الشهداء والجرحى وكل هذه الدماء وكل هذا الترويع في غزة والعراق، وكل هذه القوة الثملى؟ ألم تسأل الادارة الاميركية لماذا اتسع الرفض الشعبي في العراق لمشروع الاحتلال ومؤسساته الصورية، ألم يخدع شعب العراق بالوعود، إنها الخدعة والخديعة الكبرى التي وقع ضحيتها العراق واستبيحت ارضه ومدنه وقراه وسواده، وتضع الشعوب العربية والاسلامية امام مسؤولياتها الاخلاقية تجاه هذه الخديعة وابعادها ونتائجها الكارثية على العراق والمنطقة بعيدا عن حلم الادارة الاميركية بالديمقراطية والشعارات المضللة التي كشفت زيف الاعلام وتداعياته حين قللت من حجم المقاومة وحجم الاختناق الذي يعيشه شعب العراق كله، وان ما يواجهه العراق كله من حصار واستباحة وتنكيل وتضليل وارهاب للمدنيين العزل وممارسات لا تمت بأية صلة للحرية والديمقراطية وحقوق الانسان كلها تنبئ عن حجم المأزق الاميركي في العراق وعدم قدرتها على فهم تاريخ العراق وقدرة شعبه على المقاومة، وهو المأزق نفسه الذي يعيشه شارون وجيشه في غزة وفلسطين كلها·
وبعد ما موقف النظام العربي من هذه الحقائق، هل يبقى صامتا ساكتا، هل يقبل الامر الواقع ويترك العراق للنهب والاغراب وفلسطين للذبح كما تذبح الخراف وكأن العرب خارج التاريخ! وحين تنظر الى الدولة القطرية العربية ترى العجب، النار تلتهم جدران البيت من الجوانب كلها وصاحب البيت يقول: نفسي، لا يهمه حتى احتراق اولاده، هذا ملخص البيت العربي الذي غاص في الوحل نتيجة الجهل والأنانية والعنجهية والاحباط والتمزق الداخلي الذي تخلى عن ابسط شروط الحياة والكرامة لصالح الاغراب، والسؤال ماذا علينا ان نفعل؟ هل نركن للآخر حتى يكمل شروط اللعبة؟ هل ننتظر اكثر حتى النفس الاخير بعد ان وقعت الفأس بالرأس؟ هل نتجاهل الشعوب العربية التي باتت على فوهة الخطر وهي تغلي كالمرجل؟ ماذا بعد؟ لقد انكشف الغطاء وزال الوهم وبانت خيوط اللعبة والأمة في ذهول من موقف النظام العربي الذي لا يحرك ساكنا وكأن الأمر لا يعنيه من قريب او بعيد، الا تحتاج الاحداث الجسام التي تنهك الجسد العربي الى رأي جماعي؟ الا تحتاج الى مؤتمر حقيقي يقلب هذه اللعبة على اللاعبين الذين يمتهنون كرامة العرب ويدنسون تاريخها وارضها ويمرغون ابناءها بالتراب؟! الا نحتاج الى مشروع عربي واحد يقدم الصالح العربي على الصالح القطري ولو الى حين؟ ماذا بعد تدمير العراق وخرابه وماذا بعد تدمير غزة؟ من يعيد الحياة للقتلى الذين ماتوا بالخداع والتزييف والتلفيق؟ وها هي الدماء تسيل يوميا الآن دماء الانسان العربي غير نقية؟ ها نحن نرى اعداد القتلى في العراق وفلسطين في ازدياد وكأن لا قيمة لهم وحين يقتل اي اميركي او بريطاني او اسرائيلي؟ نرى كيف تثور ثائرتهم وكيف يبتزون العالم لدفع تعويضاتهم وكأن ابناء جلدتنا قطعان تساق للذبح ولا حول لهم ولا قوة، على العرب ان يقفوا صفا واحدا وعلى العالم الحر ان يقف الى جانب الحق لتحصيل حق العراق وفلسطين في الحياة، لأن تدمير العراق وفلسطين بهذه الصورة وبهذا المستوى من الاستهتار لأبسط قواعد الاخلاق يذكرنا بالحملات الصليبية التي غزت بلادنا في تاريخ ماض تحت ذرائع واسباب واهية لا علاقة لها اليوم بما يسمى بحقوق الانسان والديمقراطية·
النظام العربي يجب ان يشعر بالواجب تجاه ما يجري من إهانات وانتكاسات وقتل جماعي وبدون سبب وبذرائع ثبت زيفها وبطلانها لأن هذه الحروب الظالمة ستفرخ المزيد من الارهاب والقتل وهو أمر تعرفه الولايات المتحدة حق المعرفة بعد ان انكشف امرها أمام العالم كله، أية حقوق إنسان تطالب بها وهي تدوس بجيوشها وعنجهيتها على كرامة الإنسان العربي بعد ان افزعته ودمرت حياته واستقراره، أية ديمقراطية تتحدث عنها؟ ان العرب ليسوا بحاجة الى ديمقراطية من هذا النوع لأننا لسنا بحاجة الى وصفات ومناورات مكشوفة لا هدف لها الا المزيد من التمزق والمعاناة والكراهية والبغضاء كل ما نريده ان يتوقف حمام الدم العربي وان تعيش شعوبنا بكرامة وامن واستقرار مثل باقي الشعوب فهل كثير على امتنا ان ترتاح من ويلات المحتل وحرابه، ألم تتعب آلته من القتل اليومي، ألهذا الحد دماء امتنا رخيصة؟