لا تزال الاحداث التي تجري على الساحة العربية تزداد تعقيدا ولا يزال الوضع يتطور الى سقوف عليا من التوتر والازمات المتلاحقة. فما شهدته الساحة المصرية رغم كل ما يمكن ان يؤطر له يخلق اجواء من الانحدار نحو هاوية من الاضطراب بشكل خلط الاوراق وبشكل سيعيد الامور الى المربع الاول. وهنا تثور حزمة من التساؤلات حول المدى الذي يمكن ان يصل اليه الوطن العربي من التمزق ومن الخوف ان يظل ساحة مفتوحة للعنف والعنف المقابل.
فإلى اين تسير الاوضاع على الساحة الفلسطينية في وقت تتعالى فيه اصوات اللاعقل وتضعف او تكاد تتلاشى محاولات الوصول الى الحلول لما هو قائم من اضطراب وقتل وتمزيق، خاصة وان ما يصدر عن الجهات الاسرائيلية ينبىء ان هناك خطة مرسومة لتدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية والى انهاء فكرة اقامة دولة فلسطينية وقتلها قبل ان تبدأ اية خطوة على خارطة الطريق. فالانسحاب من غزة وما يرافق ذلك بل ويسبقه من حرب باتت معلنة على ارض الواقع مما يدل على ان الوصول الى نقطة يمكن ان نبني عليها توجها نحو نزع فتيل الاقتتال غدا امرا بعيد المنال.
ويتزامن ذلك مع عراق لا يبدو فيه اي مدى او دلالة لتوجه نحو حل سلمي او انهاء لحالة الضياع، بحيث لم نعد ندرك من يقاتل من وامتلأت مساحات الفكر المملوءة بالتناقضات وغموض المفاهيم بل والتناحر بينها.
وجاءت قضية طابا لترسم صورة قاتمة لكل اجتهاد حول فرضية من اين نبدأ حتى ينتهي ذلك الارتباك والاحتراب. وبدأت سلسلة جديدة من الحسابات غير المضمونة النتائج في محاولة لادخال اطراف جديدة في معادلة هي في اساسها معادلة صعبة وغامضة وقاتلة.
لقد وصلت الامور الى حد من الخطورة تستدعي، وبالضرورة، ان يتنادى القادة العرب للالتقاء لبحث ما يجري على ساحة الوطن العربي وبصورة جدية وان تتظافر الجهود لاعادة زمام المبادرة الى الدائرة العربية والا فاننا سنجد انفسنا في وضع لا نحسد عليه من التمزق والتآكل والتبعية لسياسات هي في اصلها في غير الصالح العام للامة.
ان دعوة لعقد مؤتمر قمة عربية طارئة هي من الاهمية بمكان والا فان كل توجه نحو استرجاع القدرة سيحكم عليه بالفشل وستصبح الدول العربية تتحرك في ضبابية لا يحمد عقباها ونصبح نهبا لهوى قوى خارجية اقليمية ودولية تبحث عن مصالحها التي يبدو انها متضادة مع المصلحة العربية.
لقد توجه الاردن بقيادته وبمؤسساته السياسية الى التنبيه المستمر والمتواصل ان القضايا الساخنة التي باتت تحرق كل شيء توجب علينا جميعا ان نلغي كل اختلافاتنا وتمزقنا وان يبدأ الجميع في البناء على أسس التوافق والحرص على المجموع وان يبادر القادة العرب الى وضع الخطط والمبادرات التي تحمي الوطن والمواطن ويكون ذلك في التعاطي مع الاحداث بكل امانة وصراحة. فالعراق يحتاج لدراسة ما يجري على ارضه وفلسطين محتاجة اذ أنها تقرأ احداثها بطريقة اخرى وما بدا وكأنه مسلسل آخر من العنف والاضطراب على ارض مصر يحتاج الى وقفة جادة وصارمة حتى نتقي ما يمكن ان يفضي بنا الى خلل اقل ما يمكن ان يوصف بانه ضياع وتدمير.
العراق فيه فوضى منظمة وغير منظمة وفلسطين تشهد حالة احلالية قبل ان تكون احتلالية. والمدى المرئي لا يبشر بخير، والعالم مشغول اما في انتخابات داخلية او في تبادل للمصالح وتقاسم للغنائم ولعب لادوار محسوبة كلها على قدر من الدقة تسمح للاجتهادات غير المنطقية التي نمارسها في الوطن العربي لان تصبح مقبولة بل واحيانا مطلوبة.
ومن المفارقة ان اجزاء كثيرة من الامة العربية قد جلست على كراسي المتفرجين في مسرح تُلعب على خشبته مسرحية مأساوية خطرة لذا فاننا مدعوون الآن واكثر من اي وقت آخر ان نجتمع ونعيد قراءة ما يجري ووضع الحلول التي يجب ان نحددها ونرسمها بكل اقتدار ووعي وحرص اذ ان الامة مهددة كلها والوطن اصبح قاب قوسين وادنى من الضياع، اذ لا تخلو منطقة من التعرض لهجمة او لتهديد بهجمة مقصودة.