الذين اعتبروا أن مقاومة مقاتلي الصدر في النجف ، هي لتحسين ورفع رصيده السياسي ، لم يجانبهم الصواب . فها هي مجموعاته تتخلى عن أسلحتها للحكومة المؤقتة ، ضمن اتفاق واسع يقضي بإطلاق سراح المعتقلين والشروع في إعادة إعمار مدينة الصدر (الثورة سابقاً وهي من ضواحي العاصمة) ووقف ملاحقة ممثلي هذا التيار وأعضائه ، ودفع تعويضات مقابل الأسلحة الثقيلة والمتوسطة.
وواقع الأمر أن هذا الاتفاق هو من أهم التطورات السياسية التي شهدها العراق، ولا يقل أهمية عن تشكيل الحكومة المؤقتة والمجلس الوطني (البرلمان المؤقت). فقد عاد بذلك أبرز ممثلي الطائفة الشيعية الكبرى ، إلى خيار المقاومة السياسية للاحتلال، مع الاستعداد للتعاون مع بقية الأطراف في الساحة ، والإقرار بشرعية الحكومة المؤقتة. ولعل مقتدى الصدر قد أدرك بعد تجربته في النجف ، أن أبناء المدينة ، ليسوا بالضرورة مع خيار المواجهة المسلحة، وهو الأمر الذي تبين بعد المعارك حول الصحن الحيدري الشريف.
ذلك أنه مع النقمة العارمة على الاحتلال، ومع التطلع لرؤية نهاية له ومنح قرار نقل السلطة إلى العراقيين، مضموناً فعلياً ببدء نقل السيادة، إلا أن الاندفاع نحو المواجهة المسلحة وتكاثر الجماعات والفصائل، واستهداف القوة الأمنية الذاتية (الشرطة والحرس الوطني) فإن ذلك يدلل لكل ذي عينين ، أن الهدف ليس إنهاء الاحتلال فحسب ، بل سلب إرادة العراقيين في بناء نظام وطني تمثيلي عصري ، لا يعيد إنتاج الديكتاتورية بصيغ أسوأ منها، كما يسعى إلى ذلك من يعملون على تدمير الدوائر الحكومية وإحراق الثروة النفطية واستهداف أساتذة الجامعات.
ومن الواضح أن الاستعداد لحل المجموعة المسلحة التابعة لمقتدى الصدر، يرمي أساساً إلى المشاركة في العملية السياسية من بوابة الانتخابات ، سواء تمت هذه في موعدها المقرر قبل نهاية يناير المقبل أم لا ، فالثابت أن مقتدى الصدر كقيادة شيعية شابة وصاعدة، إنما يبحث عن موقع متقدم في النظام السياسي الذي تجري بلورته، ومما يدلل على ذلك هو عودته للتقيد بتعليمات المرجعية العليا ممثلة بآية الله السيستاني ، وبحيث تتركز الجهود والمراهنات على انتزاع تمثيل شعبي وسياسي قانوني وشرعي ، حتى لو تم إرجاء الانتخابات ، بفضل جهود بعض المسلحين ، الذين يرون فيها بدعة ، وحيث انتدبوا هم أنفسهم لتمثيل العراقيين والنطق باسمهم.
هذا التحول كما سبقت الإشارة بالغ الأهمية، فهو يضيف جديداً إلى رصيد الحكومة المؤقتة ، ويوسع من دائرة الجهد السياسي ، لإنهاء الاحتلال ولو بالتفاوض معه ، وتمكين العراقيين من بلورة النظام الذي يرتضونه.
ولكي يؤتي هذا التحول ثماره ، فإنه لا بد من أن تلتقي القوى السياسية والاجتماعية العريضة ، ومنها تيار مقتدى الصدر ، وكذلك الحكومة والبرلمان المؤقتان، على صياغة خطاب سياسي متماسك يتوجه إلى عموم العراقيين، ويجري فيه التشديد على أن الهدف هو استعادة السيادة الفعلية الكاملة، وإحلال الأمن وإعادة الإعمار وإجراء الانتخابات ، إذ لا بد في النهاية من استعادة خطاب السيادة من خاطفيه الذين يتذرعون بهذا الخطاب لاستباحة العراق والعبث بمقدراته.