ثمة نقطة جوهرية علمها التاريخ للبشرية، ان من يفتنه شأن الدنيا يغفل عن شأن الآخره، وان السياسة والدين لم يجتمعا الا لتوظيف أحدهما لصالح الآخر، وان توظيف السياسة لصالح الدين لم يستطع ممارسته بصورة عادلة ومتوازنة الا الانبياء، اذ لم يكن بمقدور بشر عادي ان يوفق بين النقيضين في سمو كامل عن مغريات الحياة وجواذب الدنيا، لما في هذه المواءمة من تداخل وتعقيد حد الخلط والالتباس، وقد قرأنا كيف تقاتل الصحابة على الخلافة بعد النبي ظنا من كل منهم بأنه يخدم الدين ويسعى لنصرة الحق، أما في توظيف الدين لصالح السياسة فهو ما جرى ويجري دائما في كل العصور والأزمان، وهكذا تبقى علاقة الدين بالسياسة وإلباس كل منهما عباءة الآخر، في أغلب الأحيان، مسألة بشرية، تفرضها الظروف والمعادلات الطبقية التي ترافق تطور الانسان الفكري والاقتصادي والاجتماعي.
لكن اللافت للنظر، هو النتائج الخطيرة التي تنجم عن الطغيان المفرط لأحدهما على الآخر، فعندما يطغى الدين على السياسة فإن التطبيق البشري للضوابط الدينية ان لم يوضع موضع اليسر وليس موضع العسر، يصبح قاسيا متشددا وصارما لدرجة العنت والارهاق، ولا يخفف من شدته الا عبقرية العدل ونزاهة الذات وفهم الدين فهما واعيا وعميقا، وهذه لم تتوفر الا لاثنين في التاريخ الاسلامي، «عمر بن الخطاب» وحفيده «عمر بن عبدالعزيز» وحتى هذين العمرين لم يتقبل منهما الناس سياسة تغليب الدين على الدنيا في كل تفاصيل الحياة اليومية، الا بعد ان تخلى الاثنان عن كل ما في الدنيا من متاع، وتحمل كل منهما شظف العيش، في حين كان بعض ممن حولهم يملكون الملايين ويعيشون عيش الملوك والمترفين.
ان الكائن البشري ميال بطبعه الى الامتلاك والتسلط، واذا ما توفرت له السلطة، دينية كانت او دنيوية، فليس من كافل له في استخدامها عسفا او اعتدالا، وكانت المعاناة الاوروبية شديدة حين وقعت تحت سلطة باباوات روما، ولدينا في العالم الاسلامي امثلة حية في حكم «طالبان» والمتشددين الايرانيين.
يبقى الخطر الاكبر والأشد ضررا على الناس، في طغيان السياسة على الدين، وفرض القوانين الوضعية التي تخدم النخب الحاكمة وتحافظ على امتيازاتها، ليعم الظلم وتكبت الحريات وتنعدم المساواة بين افراد المجتمع الواحد، فيستعر الصراع الخفي بين المحكومين والحاكمين، متفجرا على شكل براكين صغيرة من التطرف والتعصب الاعمى والانتقام الانتحاري، الذي يسقط ما يعتمل في داخل النفس من يأس واحباط ومرارة على كل ما يحيط بفوهة الارض التي خرج منها، وما جرى في نيويورك ومدريد وميسلان وغيرها لا يمكن تفسيره الا وفقا لهذه العلل والدوافع.
ان اسوأ ما في الامر هذه الأيام ان يشن التيار الاسلامي المتطرف حربه العلنية ضد اليهودية والمسيحية، واضعا الاغلبية العلمانية من الاوروبيين والاميركيين الذين لا يعيرون الدين اهتماما، في سلة واحدة مع الأقلية الاصولية التي كانت تعمل في الخفاء، لكنها وجدت الآن فرصتها لإعلان موقفها من الدين والثقافة الاسلامية، فبدأ الانجيليون الجدد باصدار النشرات بملايين النسخ عن «سوء الإسلام وشروره وعن اقتراب نهايته بمجيء المسيح»، وبدأوا بالتبشير في أوساط المسلمين في الولايات المتحدة وافريقيا واسيا، ووصل نفوذهم الى مركز الادارة الاميركية ليدفعوا بها الى موقف معاد للاسلام والمسلمين، وقبل الغزو الاميركي للعراق قام عرابهم «برنارد لويس» بزيارة الرئيس «بوش» وحثه على الغزو، وهم الآن يدعمون قيام دولة مسيحية مستقلة في السودان، والأخطر من هذا وذاك، ظهور تيار في الوسط الاكاديمي الجامعي مناهض للاسلام والمسلمين.
ويبقى التساؤل المقلق، هل من خطر حقيقي على الاسلام؟ الجواب في اعتقاد الكثيرين لا، فالدين الاسلامي يملك عناصر بقائه في كتابه المقدس «القرآن» الذي جاء بلغة عربية لا يستطيع اي عربي او مستعرب ان يأتي بمثلها، ولم يجتمع في اي كتاب سماوي او ارضي الاعجاز اللغوي بالمضمون الروحي الا في القرآن، حتى ان مستوى اي مبدع في اللغة العربية مسلما او مسيحيا او يهوديا يقاس بمدى المامه بمفردات واسلوب «القرآن» ولأن «القران» يحوي بين دفتيه ثقافة العرب ولغتهم وجسرهم الروحي مع الله، فمن غير الممكن اقصاؤه من ذهنيتهم بعد ان اصبح هويتهم على الارض.
لقد اجتاز الاسلام محنا كثيرة على مدى التاريخ، وانشق عنه عشرات المذاهب والفرق بدءا بالخوارج وانتهاء بالحشاشين، وواجه كل أصناف الحروب الدموية والثقافية ولم يتنازل مسلم واحد من اقصى الارض الى أدناها عن حفظ سورة «الفاتحة»!! ليصدق قول الله «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون».