والمصادقة التشريعية والنهائية على هذا الترسيم ، يشكل أوضح مظاهر الاستقرار والتفاهم بين الدول المتجاورة.
والتوجه الثنائي السوري والأردني، لترسيم الحدود يشكل إشارة إيجابية وبالغة الأهمية ، من أجل إرساء العلاقات الأخوية على أفضل صورة ، وتصفية أية مشكلات عارضة وعالقة ، أما التأخر في رسم الحدود فيمثل مسؤولية مشتركة بين الجانبين ، إذ كان يتعين عليهما معاً أن يطويا هذه المسألة منذ أمد بعيد ، دعماً للعلاقات بينهما وإزالة لأية شوائب.
على ان هذا التأخير لا ينفرد به فقط الجانبان الأردني والسوري . فإلى سنوات قليلة خلت، كانت دول الخليج والجزيرة العربية منهمكة في رسم الحدود بينها، وبعد أكثر من ربع قرن على استقلال بعض دول المنطقة، وقد نجحت هذه الدول الشقيقة في هذه المهمة ، متمتعة بالإرادة الطيبة والتطلع إلى إزالة المشكلات، والتوجه نحو التكامل بينها ، سواء في إطار مجلس التعاون أو على مستوى العلاقات الثنائية.
والمأمول والمطلوب أن تتكرر مثل هذه التجربة وبنجاح بين الأردن وسوريا ، إذ لا شيء يعيق مثل هذا التوجه، بما في ذلك الحالات الإنسانية للمقيمين في المناطق المتداخلة، سواء بالاهتداء بأحكام القانون الدولي في هذا الخصوص ، أو بالتطلع إلى إقامة مشاريع مشتركة في هذه المناطق ، أو بأداء تعويضات لأصحاب هذه الحالات ، وتحديد الطرف الذي يتحمل في هذه الحالة أداء التعويضات.
وإذا كانت مسائل الحدود تثير بعض الشجن حيث يتعلق الأمر بعالم عربي أو وطن عربي واحد ، فقد دلت تجارب الدول والمجتمات المتقدمة ، على ان الحدود لا تمنع الانفتاح والتكامل، وهو ما تشير إليه تجربة دول الاتحاد الأوروبي ، إذ أن احترام الحدود والإقرار الطوعي بها، لا يمنع التواصل بل انه يسهله، وهي مفارقة تستحق التأمل وقد بدأت الدول الخليجية تفيد من التجربة الأوروبية، إذ يتمتع المواطنون الخليجيون بحرية التنقل بين بلدانهم بالهوية الشخصية ، ذلك أنه في أجواء تعزيز الثقة والتفاهم، فإن الحدود تتحول إلى جسور ونقاط عبور وتبادل وتواصل.
ويستذكر المرء هنا فيلم الفنان السوري دريد لحام «الحدود» حيث تتحول هذه النقاط إلى عوائق وحواجز، فيما دول العالم جميعها تحدها الحدود دون أن يعيق ذلك التواصل المفتوح بين الدول والمجتمعات المتجاورة. فالمسألة تتعلق إذن بمفهوم الحدود والنظر إليها ، وليس بهذه النقاط في ذاتها التي تتشكل منها خريطة عالمنا.
بل إن المرء يذهب أبعد من ذلك ، فإذا كان انتصاب الحدود هو بعض ما يميز علاقات الدول والمجتمعات كواقع لا يمكن التغاضي عنه أو التقليل من شانه، فإن الأهم من ذلك هو أن لا تنتصب حدود غير منظورة تشكل حواجز ذهنية وسياسية بين الدول والشعوب . فهذه الحواجز أسوأ من الحدود ، وتؤدي إلى تباعد نفسي غير مفهوم، ويظل يفعل فعله السلبي بصمت ودأب، وتدفع ثمنه الشعوب التي لا تجد أن كل شيء يقرب ما بينها، لكن واقع الحال يضع حواجز مفتعلة أمامها..
والأمل الآن أن تتواصل الروح الإيجابية ، وأن يثبت الطرفان الجاران والشقيقان الأردني والسوري أهليتهما لأداء مهمة ترسيم الحدود بنجاح، وباستلهام أفضل النماذج والتجارب بهذا الخصوص ، بما فيها تجارب دول شقيقة.