لا ادري لماذا كلما نازعني قلمي المكدود ان اكتب عن النموذج الجديد وغير المعهود في وزارة الداخلية على شفافيته الواسعة واتساعه امام عيون وعقول الجميع، اجدني وقد داهمتني عبارة العلامة النفري «كلما اتسعت الرؤيا.. ضاقت العبارة»؟ وتضيق العبارة بالتأكيد امام رحابة وشفافية الاداء النموذج لسببين رئيسيين:
اولا: لان اصحاب الرؤية الجديدة الشفافة شغلهم هم التجديد والتطوير في الادارة والتنظيم والعلاقة العامة مع الجمهور والسهر على وضع الرؤية التجديدية بالاسوة الحسنة ابتداء من رأس الهرم الوزاري ممثلا بمعالي الوزير وعطوفة الامين العام الى اخر موظف في الوزارة عن التشاغل العقيم بالدعايات البروتوكولية وتوزيع الابتسامات على كاميرات الصحافة في المناسبات!!
ثانيا: لان العبارة المنصفة والتجرؤ على التنويه بمثل هذا الاداء الايجابي الذي يستحق ان يعمم على كل الوزارات واجهزة الخدمة المدنية، هو سباحة ضد تيار سوداوي عات ترفده ذهنية نمطية تطفيفية «واذا كالوهم او وزنوهم يخسرون» لا تحيد رؤيتها للاداء الحكومي «ان وجدت» عن النصف الفارغ من الكوب؟ وهنا ايضا تضيق عندنا العبارة... لتترك لرؤى عوام الناس مواطنين ووافدين من غير ذوي الغرض.. ان تنقل بهاء الصورة وتتحدث عنها بصدق وامانة؟
وينبغي علينا ان نقر بأنه ما كان بمقدور هذه الذهنية التطفيفية ان تثير غبارها النكد على وجه الوطن الجميل، فتسمم الاجواء الصحية بين الجمهور والمسؤول، لولا تغول افراد، هنا وهناك، من شاغلي بعض المواقع الحكومية وسوء استغلالهم للسلطة وامانة المسؤولية.. فالتفاحة الفاسدة تأتي على نكهة صندوق باكمله؟
اننا نؤمن، برغم ابواق الارهاب الفكري، ان هذا التحالف غير المقدس بين مزوّري الامانة من بعض المشككين بانجازات وطننا الجميل وعزائم رجالاته من جانب، والمفتئتين على الامانة من بعض المسؤولين «اللامسؤولين» الذين يشوهون بهاء الصورة ونقاء العلاقة بين الدولة والمواطن من الجانب الاخر صائر بعون الله تعالى ثم بوعينا جميعاً الى اندثار لقوله تعالى «واما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض».
ان تدارك الاثار والتداعيات الضارة التي قد يوقعها ولو مؤقتاً هذا الحلف غير المقدس بوطننا الجميل وطموحاته وانجازاته لا يتأتى الا بابراز الرؤى والنماذج النيّرة المنيرة المستنيرة التي تزيّن جيد الوطن وترفع هاماته العزيزة في سائر مواقع البذل والعطاء على امتداد اردننا الحبيب.
ونكتفي مثالا لا حصرا، بالتنويه بنموذج وزارة الداخلية التي رسخ في اذهان العديدين للاسف ونتيجة لتراكم الانطباعات السلبية التعميمية على مدى طويل، انها لا تمثل سوى البعد الامني الشرطي بصورته التقليدية المجردة... مما ادى الى شيوع مقولة انه لا يمكن التوصل الى تسهيل اية معاملة فيها، صغيرة كانت ام كبيرة، الا عبر سلسلة مضنية من التوسلات والواسطات والمراجعات، تستنزف من المواطن والوافد عقله وماله ووقته وجهده... وتراكم اثارا سلبية فاجعة على صورة الاداء الحكومي عموماً ونقاء العلاقة بين المواطن والمسؤول؟
ومثل هذه الصورة الشوهاء ما كان بالامكان تقويمها واعادة بنائها بشكلها الصحيح السليم الا عبر رؤية مستنيرة وجهود عسيرة تتمثلها الان سائر كوادر الوزارة تأسياً بالصف القيادي الاول في الوزارة ممثلا بالوزير سمير الحباشنة والامين العام زهدي الحسن.
وحسبنا، مع ضيق العبارة، ان نستعرض جانبين اثيرين في انموذج وزارة الداخلية جديرين بالاهتمام حقيقين بالتعميم والاحترام: ففي جانب اخلاقيات الخدمة المدنية، ترى الابواب في حدود تشابك وضغوطات مسؤولياته الوزارية، وبصورة اكثر رحابة واتساعا نظرا لطبيعة المتابعة التنفيذية فهي ابواب مشرعة بكل اريحية وترحاب لكل مواطن ووافد يقصد الوزارة سعياً وراء حاجة مشروعة او انجاز ومتابعة معاملة ذات صلة، حيث يكرم ويضيّف، لشخصه لا لواسطته، وتدرس معاملته على الفور وتتابع لانجازها بكل سرعة ويسر وسهولة دون حاجة الى ظهير من المتنفذين ولا واسطة من احد من المسؤولين.. تطبيقاً للرؤية الملكية السامية في ان يكون «الاردن اولا» مرتكزا على التوازن والتوازي بين حقوق المواطن وواجباته.. سيما واننا نفاخر بأن «الانسان اغلى ما نملك» وان اول واولى حق انساني ودستوري لكل مواطن ان يعامل سواسية بالاخرين وما يستحق لذاته، دون اي اعتبار آخر، من توصله لحقوقه بكل كرامة واحترام!! واما في جانب الادارة والتنظيم، فلا ترى الا خلية نحل تصل الليل بالنهار للسهر على راحة المواطن وقضاء معاملاته بكل يسر وسهولة. فالاشارات والارشادات والتعريفات والترقيمات واضحة ووافية على كل بوابة وقسم وطابق، والنماذج ميسورة والمعلومات تستخرج والمعلومات تنجز على الحاسوب لتوقّع بتسلسل سريع وسهل لا يستغرق في الغالب الا دقائق معدودات. ومما يثير الاعجاب الاستخدام الكفؤ للحيّز المكاني المتاح، حيث جرى تحويل اجزاء من الردهات العريضة في طوابق مبنى الوزارة الى مكاتب مكشوفة زجاجية ومعنونة ومفتوحة النافذة على الجمهور، ناهزت حوالي خمسة وعشرين مكتباً وبكلفة زهيدة دون العشرين الفاً من الدنانير. فدعونا نتساءل بامانة ان لم تكن هذه ادارة كفؤة وفعالة.. فدلونا بالله ماذا تكون؟
نعم امام نصاعة مثل هذا النموذج القوي الامين تتسع الرؤيا وتضيق العبارة ولا نملك الا ان نقول: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» صدق الله العظيم.
* زميل معهد الشرق الاوسط
جامعة هارفارد