اذا كان الكاتب المبدع قد اصدر كتابا واحدا، يحتوي على مجموعة قصصية او رواية او مسرحية او قصائد، فان الناس لن يعرفوه كأديب، ولن يرسخ اسمه في اذهانهم، اما اذا تابع عمليات التأليف والاصدار والنشر والتوزيع، وكان ابداعه مميزا، فان القراء سوف يلاحقون مؤلفاته، ويدققون حول اخباره، بعد ان تتحقق له الشهرة كأديب.
فالناس يحتاجون الى فترة طويلة من الزمن، والى تكرار مكثف للاسماء والانباء المتعلقة بالاديب، كي يحفظوا اسمه، وكي يشرعوا بمتابعة كتاباته الادبية، وقد حدث كثيرا، ان ادباء اردنيين بدأوا بنشر كتاب او كتابين، ثم انهمكوا بالسعي للحصول على دخل شهري،كي يتمكنوا هم وافراد اسرهم من العيش الكريم المتواضع، وكي يتجنبوا الفقر المدقع، وكي لا تكون الكتابة الادبية سببا ملموسا لعرقلة شؤون حياتهم، وكي لا يرضخوا لزعامة «حرفة الادب» التي ادركتهم!
اي ان المثابرة على الكتابة واصدار الكتب، لن تحقق دخلا للمؤلف، ولذلك فان ممارسة كتابة القصة او الرواية او الشعر او المسرحيات، عبارة عن «هواية» قد تتوقف وتزول، وقد تستمر بموازاة عمل اخر ليست له صلة بالابداع الادبي او غير الادبي.
واعترف ان ممارستي للمهنة الصحفية، والكتابة اليومية، جعلتني اشعر بالرعب، لانها مهمة شكا منها الكثيرون، ولانها تمسح الابداع الادبي، ولان بعضا منهم قد صرح بان الصحافة لا تختلف عن اي مهنة او وظيفة من ناحية هيمنتها على المبدعين، ومن ناحية ابعادهم عن ابداعاتهم. وهذا الشعور بالرعب، جعلني اقول :«اذا كانت الصحافة ارهابية بالنسبة للمبدعين، فانني مضطر لمقاومتها».. وثبت مع مرور الوقت، ان ثمانية عشر كتابا من مؤلفاتي قد صدرت وانا امارس المهنة الصحفية المعروفة باسم «مهنة المتاعب»!
ومن الزملاء الذين استفحلت الصحافة بهم، وحققت السيطرة عليهم، وابعدتهم عن كتابة القصة القصيرة بالذات، الصديق القديم والجديد، والجار الصحفي الذي يكتب مقالة يومية على يمين هذه المقالة، وهو محمد خروب، الذي اصدر مجموعة قصصية عن «دار الفكر للنشر والتوزيع» في عمان، عام 1991 تحت عنوان «في زمن الفصل»، وكذلك الحال بالنسبة للصديق العزيز سابقا ولاحقا مصطفى صالح، الذي اصدر مجموعة قصصية جميلة، ثم تحول الى صحفي او محرر الشؤون الرياضية!
وهذا الواقع المحزن يقتضي ان نعترف بان هناك اهمالا للشأن الثقافي، وقلة عناية بقضايا المبدعين، ولا بد من التركيز على ابداعات الشباب، ودعم هواياتهم، كي تصبح فيما بعد ركنا اساسيا من مستقبل كل مبدع.. واغلب الظن ان هذا الواقع المحزن يؤثر على كل المشتغلين بالامور الثقافية، وليس المشمولون هم الادباء وحدهم.. وليرحمنا الله في ايام تنفسنا في هذه الدنيا الفانية!