انه شخصية غير عادية .. شخصية حساسة، لماحة.. معطاءة تشعر وتعترف بحاجات الاخرين، محب حقيقي، محب صادق، يبادر قبل ان يسأل، يسارع قبل ان يطلب، فيلبي ويمنح فيعطي.. لماذا؟ لانه يرى، وينظر، ويسمع.. يقول لي.. الحب الحقيقي يصغي وينصت.. الحب يدنو، يستمع، يقترب، الحب يحس، والا ما استحق ان يسمى حبا.
صمتت العجوز، وطال صمتها حتى ظننا انها نامت كعادتها حين تبتر حكاياتها وتغط في نوم عميق.
وهذا المساء استلقت بجانب النافذة تنظر الى الشارع.. بدا لعينيها وكأنه قد شاخ.. حتى القمر يلهث وهو يسقط اشعته على اسفلت الشارع، تلفتت حولها ومع زفرة حادة همست لنفسها «نحن البشر مهما حققنا من نجاح غير قادرين على ان نحيا بعيدا عن الاخرين...» بيني وبينه حكايات وقصائد واغان ورسائل ومحادثات هاتفية، احب من اجلي مقاه صغيرة كنا نتقابل فيها، احب اغنية، احب كتابا، احب فيلما، احب نكتة.. احب كل ذلك لانه محب حقيقي.. احبني فجعل جدائلي تنسدل على كتفي في حيرة.. قال لي «الحياة انت.. وانت الحياة» كم تعبت معك وكم سأتعب في عالم لست انت فيه..» حين تسلل الى حياتي كانت ولادتي.. تعايش مع تركيبتي.. حكى لي عن مشاكله في العمل.. كنت ارسم على صوته ملامحي، واخبئ في ضحكته حكاياتي.. تكلم الحب بأعذب الالحان، صوته يذكرني بحلمي وهو يردد: «يا عذبتي الحنون، من انت؟».. نقلني بكلماته الحلوة.. ونظرته العاشقة.. ولمسته الحانية.. وجلسته الحالمة الى عالم فيه الحياة والفرح والاشراق.. عشقي له تجاوز ماء البحر وثورة المظلومين.. انه الرجل الوحيد الذي شعرت معه بالاكتفاء.
انتظرنا ان تستطرد في حديثها ولكنها كانت قد اغفت وهالة سوداء تحيط بعينيها، ربما اثر ليلة بيضاء لم تغمض فيها الجفون، بدأنا نتسلل لننسحب ونتركها في وحدتها حين صرخت بعصبية على غير العادة تدعونا لنجلس امامها، صوتها تلك التي كانت يوما طفلة يأتي مشحونا بالحسرة، من يتذكرني حين تكون العتمة، من يتذكرني وانا احترق ببطء تماما مثل شمعتي..!
اراحت رأسها على الوسادة تحاول ان تغفو ، كانت دمعة باردة، حيث لا يتوهج في الشتاء الا بريق الثلج، وبصوت واهن غمغمت.. منذ سنين تجمد قلبي.. منذ سنين احس بالفراغ.. الدنيا في غيابه قفرا موحشا، يعيش في خيالي ، يظل هو معلقا في خيالي، كان حلما بعيد المنال، لكن لم ابح، اتعرفون لماذا؟.. لماذا؟ نطقناها جميعا بصوت واحد ولكنها لم تجب، رقدت مرة اخرى وفي رأسها تلوب سؤالات تتهاوى جذورها، قررنا الانتظار حتى تستيقظ لا نريد شيئا سوى ان نعرف لماذا؟ ومن هو ذلك المحب الحقيقي؟ كان هناك موسيقي، وكان هناك عطر وكان هناك حلوى، وكان .. وكان، ومع ذلك ظلت نائمة، سألنها كثيرا.. لماذا؟ ولم نعرف، اسئلة كثيرة راودتنا، وهي ما تزال نائمة على ذكريات مترعة برحيق احلام، ونشوة كلمة حلوة، لمسة حميمة، نظرة حانية ولم تصحو من غفوة تالية مرة أخرى