دبابات تقض مضجع الاطفال، وأصوات رصاص توقظ عروسة وحبيب، وغبائر تغطي حبيبات التين والزيتون في موسم القطاف، وصوت الماذن في رمضان، وأجراس الكنائس في يوم الآحاد، وجنازات قادمة من المعركة والى المقبرة .. ويلا ويلاه! شهيد، شهيدان، ثلاثة، اربعة. وعائدات واحدة، إثنتان، ثلاثة، اربعة فقدت شموعها في يوم واحد من أيام رمضان المبارك / رمضان الصوم / رمضان الدعاء والأعطية.
نعم، إحتلال قاتم، أسود، ظالم، قارص .. ولكن .. في الصباح تبتسم لك حبة تين ندية وأنت في طريقك لقضاء شؤونك، واختها التينة قرب التينة تغطي بأوراقها الشوارع المغبرة بعجلات الدبابات القادمة والعائدة من معركة مع هذا الشعب الصابر.
نعم، إحتلال قاتم، اسود، ظالم، قارص .. ولكن الاعراس في كل مكان، عرس لشهيد، الغزال .. الزغاريد و «الملبس» والمشروبات والمسخن البلدي والقهوة المُرّةْ والماء البارد من «الكعكوز»، ودبكات الشباب ورقصات الصبايا، والفرح، الفرح في كل مكان حتى الحوامل بكل الأشهر ـ وما أكثرهن ـ في وسط البيوت وعلى أطراف الشوارع المحفرة بعجلات الدبابات الهمجية «يسجن» في طقوس زفة العريس .. ويا ويلاه، يا ويلاه، ماذا حصل للعريس! في عرس حضرته وكنت واحدة من المعزين، الصامدين، الصابرين.
نعم، إحتلال قاتم، أسود، ظالم، قارص .. ولكن .. حضرت أحدث الأفلام العالمية، ولفتني ورشات ومناقشات عالية الهمة، رفيعة المستوى على صعيد الانتاج والاخراج والموضوع، يديرها شباب وشابات متخصصون، وشهادات عالية وكفاءات، يعشقون الفنون والموسيقى والرقص والمسرح والغناء العربي / الشرقي والغربي / الاوبرالي وغيره من فنون الاصوات ذات المدارس والاتجاهات. فهناك حركة ثقافية رسم، نحت تعلو وتخترق الصعوبات والمعوقات لأنها تريد ان تكون رافدا حقيقيا يصاحب الروافد المصرة على الحياة. «فقوس قزح» متناقض في الألوان، متشعب في الاشتقاقات لكنه متحد لأنه جزء من حقيقة الحياة.
نعم، إحتلال قاتم، أسود، ظالم، قارص، ولكنك محاط بالاشجار، والموضة، والنظافة ـ رغم انعدام الخدمات ـ والأمانة ـ رغم صعوبة المتابعات ـ والكرم، والحب، واحترام الوالدين، وأعياد الميلاد، واعياد الزواج، والأزهار، وطقوس «طهور الاطفال» وصناعة القش، والبسط، والتطريز، والفخار، والخزف، والزجاج، وخشب الزيتون، والصدف، والسلال، والحلي، والنحاس، والجلد، والخيزران وغيرها وغيرها.
و «النكتة» علامة بارزة، تغرقك حتى «شوشتك» كما يقال في اللهجة العامية في فيض من السعادة والانتعاش والاسترخاء ـ على باب السجن أو باب الدكان ـ فتضحك وتضحك وتضحك حتى تضحك الدنيا معك..
نعم، احتلال قاتم، أسود، ظالم، قارص، ولكن رغم الشتاء وحدة الاعاصير والغيوم الملبدة والاعصار، هناك شعب يريد الحياة بكل الحياة، فهو يبني رغم الهدم، مكان الهدم بيتا جديدا جميلا لأبنائه واحفاده مدى الحياة، وقد تعلم درسا ان يتشبث بالتراب، فمحاولات الهدم، هدم البنية التحتية، ومحاولات التفتيت والخرابات المادية والنفسية لا تعني سوى الاصرار للوصول بالانسان الى القمر والشمس والنجوم مبعث الضياء.
في رحلة عذاب / ممتعة ـ يا للمفارقة ـ مساحتها شهر، تجولت رغم الحواجز بين المدن الفلسطينية المقطعة، ورأيت بأم عيني شعبا يكتب درسا في الفلسفة عنوانه «فن إرادة الحياة» وعناصره ممزوجة من رؤى التطور والتقدم والتحضر في ظل الهدم والاحتلال.