تمكن الديمقراطية اللاعبين من تمرير اصعب الاهداف، فقد اثبتت رغم ما تسببه من خوف للذين لم يعتادوها وسيلة واسلوب حكم وحياة انها الاضمن وخاصة في القضايا المصيرية.. وها هي اسرائيل تلعب بها كل اهدافها حتى واعتى عتاة اليمين ممن مارسوا الارهاب لخمسين سنة وهو اريل شارون يعتمدها وسيلة لاقرار مشروعه الاحادي الجانب الداعي للانسحاب من غزة.
ما الذي حدث ولماذا غيرت القوى المختلفة مواقعها حسب المعطيات ولم تصمد على موقف وهذا ما يعكس كيف ان المعارضة مرنة فهي لا تعارض لمجرد المعارضة كما يحدث في بلادنا ولكنها تعارض حتى تقترب من اهدافها.
شارون في الكنيست دعمه لانجاح خطته في الانسحاب من غزة اليسارالاسرائيلي وبعض تيارات الوسط في حين لم يقف معه الكثير من اعضاء حزبه وحتى نواب هذا الحزب، اما النواب العرب فانهم مع الانسحاب ويؤيدونه لكن تحفظهم قائم من ان شارون القاتل الذي لا يريدون تأييده قد لا ينسحب وقد يحول هذا الانسحاب من جزء من الارض الفلسطينية الى تكريس احتلال واستيطان في جزء اخر في الضفة الغربية ولذلك اكتفوا بالوقوف في منتصف الطريق حين امتنعوا عن التصويت ليسمحوا لمشروع الانسحاب ان يمر ولا يكونوا سببا في افشاله وبالتالي تعطيل الانسحاب وتعطيل انفاذ ما يعتقدون ويعتقد المجتمع الدولي انه جزء من خارطة الطريق رغم عدم اعتقاد شارون بذلك.
كل عاقل يريد السلام هو مع مبدأ الانسحاب ولو من شبر واحد ومن هنا يأتي اختلاف القراءات لما يفعله شارون. فالبعض ينظر الى نصف الكأس الفارغة والبعض الاخر الى النصف الممتلئة اذا جاز التعبير.
تاريخ شارون لا ينبئ بانه يمكن ان يقدم للفلسطينيين شيئا. ولكن ما هو مجبر على عمله له علاقة بعوامل واسباب منها.
1- الصمود الفلسطيني الذي لم يستطع شارون كسره في غزة رغم تدميره للقطاع. فالانسان قد يدمر ولكنه لا يهزم في حين انه يمكن ان يهزم د ون ان يصيبه التدمير والظاهرة الاخيرة لا تنطبق على الشعب الفلسطيني وان كانت عنوان ما عاشه العرب عام 1967 .
2- تزايد الاحتجاج العالمي وخاصة الشعبي والحزبي على سياسات اسرائيل العدوانية وقد تمثل ذلك في نتائج استطلاعات اوروبية اعتبرت اسرائيل دولة مهددة للسلام العالمي وهي اول دولة في الترتيب في حمل هذه الصفة كما تجلى ذلك في تصريحات مبعوثي الامم المتحدة في غزة وايضا ممثل الامين العام للامم المتحدة فيها.
3- محاولة شارون ذر الرماد في عيون المجتمع الدولي بدافع استحقاق الانسحاب من غزة لافتداء انسحاب اخر لا يريد القيام به من الضفة الغربية وشرق القدس.. ومحاولة اظهار انه يهدم مستوطنات مقابل بناء اخرى في مكان اخر من الوطن الفلسطيني.
4- محاولة تبرير سياسته في الفصل والعزل وعدم ادخال شريك فيها باعتبارها خيار اسرائيل وخيار الليكود واليمين تحديدا الذي يؤمن بنقاء الدولة العبرية وعدم اشراك غير اليهود فيها. ولذا فان سياسة بناء السور التي استنكرتها محكمة العدل العليا في لاهاي حين طالبت بهدم هذا السور وتصفية اثاره وتجريم فعله. يحاول شارون ان يغطي عليها باعتبارها ترجمة واضحة لسياسة الابارتيد العنصرية كما حدث في معزل جنوب افريقيا باظهار انه ينسحب من غزة فيهدأ عليه المجتمع الدولي.
5-ما زال شارون يراهن على الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني ويستثمر في مزيد من الفوضى وغياب الامن وتداعيات ذلك على الشارع الفلسطيني ليثبت للعالم انه لا يجد شريكا فلسطينيا وان الفلسطينيين غير قادرين على توفير قيادة قادرة على الضبط والربط وتوفير الامن وبالتالي فانه مضطر لاخذ خطواته التي لا بديل لها.
6- ما زال شارون يراهن على ان لا تقوم الدولة الفلسطينية بمعناها الذي دعا اليه الرئيس بوش او الذي نصت عليه قرارات الشرعية الدولية في الانسحاب من الاراضي المحتلة عام 1967 ووحدة الارض الفلسطينية في الضفة وغزة وشرق القدس اذ ان ترك القطاع والاحتفاظ بالضفة وشرق القدس لا يقيم دولة فلسطينية قابلة للحياة ويقسم توجهات الشعب الفلسطيني ويدب الخلاف في اوساطه.
7- يريد شارون نقل ازمته الداخلية في انقسام المجتمع الاسرائيلي وزيادة التطرف فيه لدرجة ان شارون يبدو امام معسكرات اخرى غاية في الاعتدال يريد نقل هذه الازمة التي تهدد بنية المجتمع الاسرائيلي العامة الى خارج اسرائيل باعادة توجيه انتباه الالة العسكرية الاسرائيلية ومؤيديها وخاصة الادارة الاميركية الى كل الاطراف التي تعترف على خطوته الاحادية وتحديدا في المحيط العربي.
8- يريد اقناع الاسرائيليين انه عمل كل ما يستطيع وانه وانجز لهم ما يعتقد انه يجلب لهم الامن وان عليهم الان تأييده خاصة في معسكر اليسار والوسط وان الطرف الاخر لا يريد وبالتالي اعادة تعبئة المجتمع الاسرائيلي لمزيد من التطرف وحشده لمزيد من الخطوات التي تكرس حكم شارون وحزبه.
9- تعتبر الخطوة التي قد يدفع شارون ثمنها من حياته امام غلاة التطرف محاولة لتغطية فضائحه واولاده المالية التي كادت ان تعصف به فالحكومة والبرلمان والشعب الاسرائيلي وكافة الاطراف مشغولة بهذه الخطوة التي سيسميها كل طرف حسب مشاهدته لها وخاصة بعد ولادتها وحيث يكثر الجدل والخلاف عليها.. فهل ستذهب بالمنطقة الى السلام ام الى مزيد من الحريق ان ذلك رهن بالايام القادمة؟!!