فجأة هجم الجميع على سهى عرفات حتى ليخيل للمتابع أن العالم كان ينتظر هفوة من هذه السيدة كي يحاسبها على حب عرفات لها وزواجه منها ثم ترحيله لها مع ابنتهما (زهوه) إلى باريس للإقامة هناك بعيدا عن هدير الدبابات الإسرائيلية حول مقر المقاطعة في رام الله وحيث الأمان في كنف الوالدة والجدة (ريموندا) التي تقيم منذ زواج سهى في فيلا فخمة في الحي اللاتيني بالعاصمة الفرنسية وتستقبل الزوار من مقامات عليا في السلطة الوطنية الفلسطينية كما كانت قبل النسب الرفيع ومصاهرتها السياسية (بالختيار)، والجدة ريموندا كما هو معروف مهندسة عدة لقاءات وتفاهمات إسرائيلية فلسطينية جرت سرا في منزلها في العاصمة الفرنسية ثم امتدت لتشمل عدة مدن وعواصم اوروبية فيما بعد، ولعل هذا هو سر تميز ابنتها سهى بحيث توافقت ميول الرئيس عرفات للسلام مع علاقات ريموندا وهكذا قامت شراكة سياسية كان من ثمارها زواج سهى الطويل و ياسر عرفات . والثابت ان هذا الزواج حظي بمباركة منظمة التحرير وكذلك السلطة الفلسطينية بدليل أن أحدا لم يعترض، والثابت أيضا أن الفلسطينيين باركوا لرئيسهم الخروج من قفص العزوبية والوحدة ولم يظهر لا في الصحافة الفلسطينية داخل فلسطين ولا في الصحافة الفلسطينية في الشتات والمهجر ما يشير إلى أن سهى لا تحظى باحترام الرعية بوصفها سيدة فلسطين الأولى رغم الغموض الذي اكتنف سيرتها العائلية بالنسبة لملايين الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه، بل على العكس من ذلك ففي أرشيف الصحافة العربية والفلسطينية بشكل خاص مئات المواضيع التي أظهرت سعادة الرئيس برفقته الجديدة ومثلها مواضيع عديدة أخرى أظهرت الشق الحضاري لهذه الشراكة، فالرئيس الكادح المناضل تزوج من ارستقراطية نجحت في أن تكون مضيفة منافسة لسيدة أميركا الأولى هيلاري كلنتون عندما حلت وزوجها كلنتون ضيفة على غزة عام 1994 ومنافسة لغيرها من الزوجات بمن فيهن عقيلات المنافسين للرئيس على زعامة السلطة .
ومنذ ثلاث سنوات غادرت سهى وطن زوجها إلى فرنسا بموافقة شخصية منه وصمت مطبق من جميع الأطراف بما في ذلك الفصائل المتطرفة في الوطنية كحماس والجهاد الإسلامي وكتائب الأقصى وصحافة المقاومة،أما عرفات فقد أوكل لجهاز الأمن مهمة اختيار مسكن آمن وراق في باريس لإقامة هادئة للزوجة والابنة فلا يربطهما بفلسطين غير الهاتف وجهاز التلفزيون لنقل الأخبار العاجلة من المقر ومحيطه القريب، لكن سهى أثبتت خلال هذين الأسبوعين أنها كانت تتابع أخبار المقر من الداخل وأن (المستورثين) لم يكونوا أقرب منها إلى قلب وعقل الرئيس المصاب بداء غامض داهمه منذ أقل من شهر واحد فأقعده فاقدا وعيه وبالتالي أهليته كزعيم يتفرد بالسلطة وعرف بأنه يتخذ عشرات القرارات يوميا، ولقد حاولت سهى أن تثبت للجميع أنها لم تكن بعيدة كما تخيلوا وان انشغال الصحافة الفرنسية بنشاطاتها الاجتماعية لم تأت من فراغ حتى وان شاب هذا الاهتمام الإعلامي بعض التركيز على مسائل التحويلات المالية والتعامل مع الأمر على انه فساد يدفع ثمنه الاتحاد الأوروبي أكبر المانحين للسلطة الفلسطينية.
والسيدة سهى برهنت خلال فترة مرض الرئيس ووجوده جسدا بلا قدرات إلى جانبها في باريس على أنها زوجة كاملة الحقوق وقادرة على التأثير في القرار الفلسطيني ما دام يرتبط بزوجها، ولذلك قيل - كما قيل عن عشرات عقيلات الرؤساء من قبلها ـ أن سهى عرفات تثير جدلا بين أوساط السياسيين، ولكن أي جدل تثيره سهى، ولماذا هبت قيادة الصف الأول في السلطة للرد عليها ما دامت ليست ذات قيمة سياسية وتتفوه بترهات كما قال الطيب عبد الرحيم أمين عام الرئاسة الفلسطينية، ولماذا فجأة أصبحت سهى محط تلميحات الصحافة الفلسطينية في الوطن والمهجر للغمز من جهة شرعيتها كزوجة لرئيس السلطة ووريثته الوحيدة بعد ابنته، هل لان الرئيس بات شيئا من الماضي ولن يكون قادرا على محاسبة من يمس زوجته في سيرتها أو سمعتها أو مكانتها، أم لان ساعة الحسم دنت لتقاسم ورثتين حرص الرئيس الغائب على الإمساك بهما حتى آخر لحظة من حياته الطويلة المريرة وهما المال والسلطة، ثم لماذا تأخرت ثورة الثوار على صفحات الجرائد إلى ما بعد غياب عرفات لكي يكتبوا تاريخا جديدا من العفة ويطهروا المنظمة من كل شائبة تاريخية ويعتبروا سهى غلطة العمر والمصير بالنسبة للسلطة وللمنظمة وللثورة منذ قيامها، لماذا لم تقم قائمة المثقفين قبل اليوم لمناقشة مصير أموال الشعب الفلسطيني ولماذا حرص هؤلاء على الوقوف إلى جانب عرفات والدفاع عن كل قراراته بما فيها زواجه حتى آخر رشفة هواء له، هل لأنهم مستفيدون أم لان الإصلاح مطلوب من الدول وليس من الثورات، أم لان الرئيس لم يكن ليقبل النقد وان أقل عقوباته كانت الحرمان من المخصصات ..!؟
تساؤلات وأسئلة كثيرة ومشروعة لكن الإجابات مؤجلة منذ سنوات طويلة هي عمر التحول من عصر الثورة إلى عهد دولة المنفى وكان هذا قبل (بيروت 1982) عام الشتات الإنساني الأخير وبداية الشتات السياسي المتواصل إلى الآن فيما شعب فلسطين تارة يقاتل المحتل وتارة ينتظم في صفوف طويلة ليدفن شهداءه ويهتف منددا بقرارات أولياء الأمر ولاعنا الخونة وتجار الدم فأنتج من هتافات التظاهر والتشييع ملاحم آخر جزئية منها ترددت قبل يومين فقط تقول (يا سهى ظلي بباريس وإحنا خلف المتاريس.