الذين يختلفون مع الفقيد الفلسطيني الكبير يتفقون مع أتباعه ومريديه، في أنه كان بحق رمزاً وقائداً وزعيماً حفر في صخر المسألة الفلسطينية كي يستحق هذه المكانة السامقة، وبأنه لم يشكل فقط ظاهرةً نضاليةً متفردةً على الصعيدين السياسي والإنساني عزَّ نظيرها إقليمياً ودولياً، لا بل أنه يعتبر أيضاً وبمنتهى الموضوعية والحيدة العلمية صانع حقبةٍ نابضةٍ في تاريخ الكفاح الفلسطيني منذ عام 1948حتى اليوم، والذين رصدوا ما قيل في الراحل الشهيد في أقانيم الميديا المرئية والمكتوبة منها بخاصة، قد وقفوا على نظرة أعدائه الذين لم يملكوا إلا أن يشهدوا له، بأنه كان خصماً صلباً وعدواً لدوداً وبالتالي محارباً شريفا يحسب له ألف حساب.
من جهة أخرى وفي معزل عمّا جرى في الأسبوعين الأخيرين بين باريس ورام الله، فإن الراحل الكبير كان ساعة موته في منتصف العقد السابع نحو الثمانين من خريف العمر، وقد ترك كفاحُ أربعين عاماً على خريطة جسده المنهك ما تركه من أثار النقع والصراع والترحال محارباً على غير ساح، أي منذ عام 1964حين أسس حزبه الحاكم (حركة فتح) وأطلق رصاصته الفتحاوية الأولى نحو إسرائيل، مروراً بغير فصلٍ من فصول الحصار وبخاصةٍ في السنين العشر الأخيرة وحتى قبل أسبوعين من يوم الرحيل، وبكلمةٍ.. فإن الرئيس الشهيد قد عاش حياة حافلةً بألوان الضجيج السياسي وأشكال الصراع العسكري والمواجهات الأمنية، حتى أن رحيله بالأمس لم يكن رحيلاً عادياً لرجلٍ عادي، بل كان رحيلاً إشكالياً جدلياً سيذكره التاريخ المعاصر بالتوقير والإجلال، أولم تقام له جنازات ثلاث في أقطارٍ ثلاثة من قاراتٍ ثلاث : فرنسا ومصر وفلسطين ؟، وقد يُحسب له قبل مماته هذا النقل الحضاري السريع وهذا التداول الهادئ والشفاف للسلطة في أقانيمها الثلاثة، مما يؤكد أيضاً على نكران الذات لدى القادة الجدد من رفاقه القدامى، احتراماً لقائدهم الراحل وتقديرا لهذه المرحلة الحساسة في تاريخ المسألة الفلسطينية بإجمال، عبر رصّ الصفوف وتعزيز مبدأ الوحدة الوطنية وتلاحم النسيج الفلسطيني الواحد بين قادة الفصائل والمؤسسات والأطياف كافة، وذلك بغية تحقيق أمنية الراحل الكبير في استقلال دولة فلسطين الموعودة من قريب بإذنه تعالى.
لسنا ونحن نسوق ذلك نستثني وجود نظرية المؤامرة في مشهد الرحيل برمته، فالذي صرح به وعلى رؤوس الأشهاد طبيبه الخاص د. أشرف الكردي وزير الصحة الأردني الأسبق، ينسجم تماماً مع عجيج ما جرى بين حرم الرئيس في باريس والرفاق القادة في رام الله، وهو مما سيغلف مستقبل هذه المسألة بالكثير من الغموض والأسئلة، ومما ستفصح عنه الأيام القادمة بدءاً بمحتوى الرسالة التي حملها محمد دحلان من السيدة عرفات إلى القيادة الفلسطينية، ثم أن مطلب الدكتور الكردي بتشريح جثة الرئيس الراحل ـ مما يرسخ الاعتقاد بفرضية المؤامرة، هو أيضاً أمرٌ لا يمكن القفز عنه بحال من الأحوال.
ومهما يكن من أمر.. إلى ذلك كله، وسواءٌ تأكدت فرضية المؤامرة المتمثلة في شبهة اغتيال الرئيس بالسم أم لم تتأكد، فإن اليقين المقطوع الدلالة هو أن الراحل السبعيني قد قضى شهيداً كي تحيا فلسطين، إذ كان يتمنى الموت شهيداً بقوله : (شهيداً.. شهيداً.. شهيداً) و.. قد كان، ومع أن الموت حق وأن كل نفسٍ ذائقة الموت لا محالة، إلا أنه ما من مسلمٍ يؤمن بالله ربّاً و بالإسلام ديناً و بمحمدٍ صلى الله عليه و سلّمَ نبياً و رسولاً إلاّ و يتمنى الشهادة في سبيل الله، و كذا فيما أجزم جاء رحيلُ أبي عمار الذي سبقنا بخطوتين و قضى نحبهُ شهيداً في سبيل فلسطين، إذ لحق بالركب الإستشهادوي المقدس على طريق بطل القسطل عبد القادر الحسيني وعز الدين القسام بطل يعبد وشاعر الشجرة وبطلها عبد الرحيم محمود وغيرهم من الشهداء الرواد الأباء طيب الله ثراهم أجمعين، ومن بعدهم الذين انضموا إليهم في قافلة أخرى من الشهداء إبراهيم الوزير وفيصل الحسيني وأحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي ومن سبقهم ومن لحق بهم من رفاق الأمس القريب رحمهم الله أجمعين.
فها عرفات.. أخيراً، يترجل شهيداً وقد خلّف مسدسه الذي احتزم خصره أربعين حولاً من الزمان، ليلاقي وجه ربه راضياً مرضياً بعد أن أدّى الأمانة وأكمل الرسالة وسلم الراية، رحم الله أبا عمار شهيد فلسطين والعروبة رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون.
e-mail : [email protected]