تحتفل سلطنة عمان الشقيقة اليوم بالذكرى الرابعة والثلاثين لنهضتها الحديثة التي قادها جلالة السلطان قابوس بن سعيد لينقل بها بلده وشعبه من ظلمات القرون الوسطى الى انوار القرن العشرين وذلك عام 1970.
وقد تمكنت السلطنة من بناء تجربة فريدة في الحكم والتنمية على مستوى المنطقة الخليجية والوطن العربي تثير الكثير من الانتباه والتقدير.
ولعل اولى ميزات هذه التجربة انها قامت على الاعتدال والوسطية التي تجعلها تنأى بنفسها عن النزاعات الاقليمية والدولية، وتشكل حالة من الأمن والاستقرار مكنت الشعب العماني من العيش المطمئن في ظل ظروف قلقة وحرجة مرت بها المنطقة كلها على مدى الثلاثين سنة الاخيرة.
وثانية ميزات هذه التجربة انها بنيت على علاقة متينة ونامية ومتطورة بين الحاكم والمحكومين، بين القيادة وبين الشعب، اتسمت بالاستمرارية والمكاشفة والوضوح والمصارحة، مما جعلها شديدة التفرد بين مثيلاتها في المنطقة، ونموذجا قابلا للاحتذاء فيها.
وثالثة ميزاتها اعتمادها مبدأ «الشورى» وتعزيز المؤسسات الديمقراطية في البلاد، وتطوير اسس المجتمع المدني تدريجيا، بحيث يتناسب مع التقدم الذي تحرزه البلاد، يوما بعد يوم، وهذا ما جعل مجلس الشورى ومجلس الدولة ومجلس عمان، وغيرها من المجالس التمثيلية ذات الصفة الشعبية، تنمو وتتطور على اسس موضوعية صرفة، وترتبط بالنمو والتطور الذي حققته البلاد، وقد بدأت بانتخابات على مرحلتين، ثم ها هي تصل الى مستوى الانتخاب المباشر، ناهيك بالمشاركة الواسعة للمرأة العمانية في مختلف مؤسسات الدولة وحضورها الواضح فيها.
ورابعة ميزات هذه التجربة العمانية انها تربط التنمية بحاجات الانسان الفرد، وحاجات المجتمع، وتؤسس مرافقها على آخر ما انتهى اليه العلم الحديث، والمجتمعات المتقدمة بحيث لا يكون هناك حرق للمراحل، وانما استفادة من تجارب الامم والشعوب الاخرى وانجازاتها العلمية، وتطورها الحديث، مع التأكيد على ربط كل ذلك، بمقتضيات المجتمع العماني واحتياجاته وطبيعته.
والميزة الخامسة ان القيادة العمانية الرشيدة ربطته ربطا محكما بين الاصالة والمعاصرة، فحافظ المجتمع العماني على شخصيته العربية الاسلامية الممتدة عبر تاريخ عُمان الطويل ومكنته من الأخذ بكل اسباب التقدم والتطور والنمو والرفاه وفقا لحاجاته، وبما لا يتعارض مع هويته الوطنية والعربية الاسلامية.
ولعل هذه الميزات الخمس هي الأبرز في معالم التجربة العمانية الحديثة، الا اننا نستطيع ان نضيف الى ذلك كونها لا تتعامل مع جيرانها وأشقائها، وغيرها، بطريقة ردود الأفعال المتشنجة او الشعارات الطنانة او التفاعلات الآنية، بل تميل الى ترسيخ اسس ثابتة ومرنة للعلاقات الثنائية لتبنيها على الاحترام المتبادل وحسن الجوار والتفاهم والفهم المشترك، وتبادل المصالح بعيدا عن روح الأنانية او التعصب او الشكوك والمخاوف، وهذا ما جعل علاقلات السلطنة بالدول الشقيقة ودول الجوار ودول العالم كله، سليمة ودائمة ومتصلة ومتطورة، ولم تشهد اية ازمات.
على ان ذلك كله يقودنا الى القول ان ما حققه الشعب العماني على مدى هذه السنوات الأربع والثلاثين يعتبر اقرب الى المعجزات لأنه تمكن من تجاوز سنوات طويلة من التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي، واللحاق بالعصر، وأخذ مكانه الذي يليق به في ركب التقدم والتطور والرقي.