نقف اليوم خاشعين في محراب العزيزي، وامام قامة شامخة تطاول السحب عطاء وادبا وخلقا وانسانية. نقف امام رجل سلخ من عمر الزمن مئة عام وعامين، لم يضع فيها ساعة بلا عطاء، وترك للمكتبة العربية ما يزيد على 70 كتابا في الموسوعات واللغة والنقد والدراسات والرواية والقصص والشعر والترجمات والمسرح والدراما ... وقد اختير منذ نصف قرن ليكون ممثلا للرابطة الدولية لحقوق الانسان في الاردن.
سلخ روكس العزيزي 56 سنة من عمره في التدريس بين الاردن وفلسطين، وفي الدفاع عن اللغة العربية التي يراها اشرف اللغات، وما ازال اتذكر زياراتي لبيته التي كانت تمتد لساعات، يحدثني فيها عن التاريخ العربي ومحطاته، وعن اللغة والتراث، وعن تاريخ الاردن وطبيعة المجتمع الاردني، وعن عادات البدو واخلاقهم وقيمهم، تلك التي كانت وراء دراساته للمجتمع البدوي، وعن اسرته وذويه وطبيعة حياتهم في مادبا، مسقط رأسه، اوائل القرن العشرين، وعن علاقاته بأدباء العرب .. وكان يأسرني برقته وتواضعه ودماثة خلقه، كما كان يبهرني بقوة ذاكرته وسعة ثقافته، وجمال خطه الذي كان يفوق الخطوط المطبوعة.
لقد افدت منه القناعة، اذ لم اسمع منه يوما تذمرا او شكوى او اساءة لأحد، او كلمة حسد لشخص اقبلت عليه الدنيا او تسنم منصبا او موقعا، كما هو ديدن المثقفين، فقد كان كبيرا في كل شيء، كما كان كبيرا في دوره الثقافي وقيمته الادبية، وكنت كلما خرجت من بيته، احس كم افدت في تلك الجلسة من ثقافة ومعرفة ومتعة.
شب روكس العزيزي ابيا ثائرا يدافع عما يراه حقا، وبلا هوادة، ومما يروى عنه أنه كان من اوائل من دعوا الى تعريب الكنيسة الاردنية وابدال كهنتها الاجانب بكهنة عرب، كما يروى عنه انه تسلم رئاسة احدى الصحف حسب شروطه، ولكنه تركها بعد العدد الثاني، لأن شروطه لم تنفذ.
آمن العزيزي بأن محاربة التأخر تبدأ من النفس، وان الالتفات الى الوراء لا يقود الا الى التراجع، فالسعادة تنتظر من يقتحم مجاهل الحياة لا من يضعف امام عقباتها .. وآمن ان انارة شمعة في درب الظلم والظلام خير من الوقوف ولطم الخدود، وان شمعة من نور الفكر وحصافة العقل، تنقذنا من حمأة المستنقعات الفكرية الآسنة.
من الكتب التي يعتز بها العزيزي كتاب: اسد الاسلام وقديسه، علي بن ابي طالب، ذلك الكتاب الذي يقول عنه انه اثار المسلمين السنة والمسيحيين، وروايته «ابناء الغساسانة» التي تناول فيها قصةالشيخ ابراهيم الضمور مع ابراهيم بن محمد علي باشا عندما حاصر الكرك سنة 1832، وخير الشيخ الضمور بين تسليم المدينة او قتل ولديه.
اعتمدت بعض كتب العزيزي في الجامعات الاميركية والاوروبية، وحظي بتقدير وتكريم وافرين في الاردن وفي الخارج، فقد منح شهادة اليوبيل الفضي التكريمية في الآداب سنة 1977، ونال الجائزة التقديرية في القاهرة، كما نال جائزة الدولة التقديرية في الاردن سنة 1989 من يد الحسين، طيب الله ثراه، وجائزة جبران خليل جبران من جمعية احياء التراث العربي في استراليا، ودرع الجامعة الوطنية في سان دييغو، في الولايات المتحدة، ووسام التربية والتعليم، ووسام القدس، ووسام الصليب الابيض، ودرع مجلس مادبا البلدي، كما كرم من قبل مؤسسة شومان، ورابطة الكتاب الاردنيين، واتحاد الكتاب الاردنيين، وجمعية روابي السلط، وأمانة العاصمة.
مات روكس العزيزي، هذا العملاق الذي لا يجود الزمن بمثله .. مات مخلفا تراثا ضخما من المؤلفات القيمة، وذكرى طيبة في أوساط الناس، عامتهم ومثقفيهم .. واذا كان لنا ان نقدم شيئا لهذه القامة الشامخة التي اعلت من شأن الاردن، فليكن باعادة طبع كتبه ونشرها على مستوى الوطن والخارج، واقامة ملتقيات وحلقات دراسية تبحث في انتاجه، ولا اعتقد أن ذلك بالأمر الكبير لرجل في مستوى روكس بن زائد العزيزي.