يتعرض الأردن الى حملة إعلامية وسياسية ربما لم يسبق أن تعرض لها وذلك من قبل وسائل الإعلام الإيرانية ووسائل الإعلام السورية وأغلبية وسائل الإعلام التابعة لفصائل الإسلام السياسي الشيعي في العراق بالإضافة الى بعض وسائل الإعلام اللبنانية التابعة إما لسوريا أو إيران وذلك بسبب التصريحات التي صرح بها جلالة الملك عبد الله خلال وجوده في الولايات المتحدة حول المشروع الإيراني الذي أطلق عليه «الهلال الشيعي الذي يشمل إيران، العراق، سوريا ولبنان»، وكل تلك الحملة ارتكزت وبخبث متعمد على اعتبار أن تصريحات جلالة الملك عبد الله حاولت التفرقة بين السنة والشيعة، والبعض من تلك الوسائل اعتبرها تصريحات ذات دلالة طائفية، على الرغم من أن ما قصده جلالة الملك هو إبراز التخوف من المشروع الإيراني الذي يعتمد استغلال الديمغرافيا والمذهب الشيعي في العراق ولبنان واعتماد العلاقات التحالفية المبنية على أساس قريب من المذهبية بين النظامين الإيراني والسوري من اجل بناء هذا ( الهلال) الذي يعد من الناحية العملية قريبا من مستوى المشروع الإسرائيلي بل انه وفي بعض زواياه هو اخطر منه، والتحالف الإيراني _ السوري هو تحالف علني وليس سريا وكان خلال الحرب الإيرانية _ العراقية منذ بداية الثمانينات حتى قبول إيران لوقف تلك الحرب عام 1988، تحالفا مقدسا، ادارت خلاله دمشق ظهرها لكل العرب من اجل دعم إيران، وبعد هذا التاريخ استمر هذا التحالف الى يومنا هذا بكل تفاصيله السياسية والاقتصادية والأمنية، وتشهد الان الساحة العراقية حالة من انصع أنواع مثل هذا التنسيق وأكثرها دقة والتي تتجاوز من الناحية العملية حتى الحالة اللبنانية .
ويمكن إبراز معالم التحالف السوري الإيراني في العراق من خلال نقطتين أساسيتين قد تبدوان من الناحية العملية على انهما على طرفي نقيض ولكنهما استراتيجيا على خط مستقيم :
أولا : سعت طهران لضبط المناطق الجنوبية ومنطقة الفرات الأوسط التي تقطنها أغلبية مطلقة من الشيعة أمنيا، وعملت عبر تأثيرها المباشر على دفع الأغلبية للمشاركة السياسية في العملية السياسية في العراق وبخاصة الانتخابات القادمة، والدور الإيراني في هذا الاتجاه متعدد الوجوه والأبعاد فهو مزيج من التأثير المالي والتسليحي والاستخباري والديني، والهدف من دفع إيران للتأثير على الديمغرافيا الشيعية للمشاركة هو استثمار واضح منها لموضوع الأغلبية الديمغرافية في العراق والتي هي أغلبية من العرب الشيعة ووفق هدف واضح أيضا يتمثل في أن وصول مثل هذه الأغلبية الى «الجمعية الوطنية العراقية» سوف يجعلها تتحكم بمضمون الدستور العراقي القادم وشكل الدولة العراقية.. وقائمة «الائتلاف العراقي الموحد» التي ستخوض الانتخابات العراقية القادمة باسم الجنوب العراقي، هي قائمة إيرانية مائة بالمائة مثلما قال وزير الدفاع العراقي حازم الشعلان، وهي القائمة التي تضم المجلس الأعلى للثورة في العراق برئاسة عبد العزيز الحكيم المعروف بقربه من المخابرات الإيرانية «اطلاعات».. وحزب الدعوة التابع لإيران برئاسة إبراهيم الجعفري الذي تتندر الفضائيات العربية العاملة بالعراق بقولها إنها تتصل به على الدوام على هاتفه النقال الإيراني وليس العراقي لانه يقضي معظم وقته في إيران وليس في بلده العراق، ... والمؤتمر الوطني بزعامة احمد الجلبي الذي كشف الأميركيون أنفسهم مدى ارتباطه بالنظام الإيراني بالإضافة ، الى الشهرستاني الذي يفاخر بمدى «هواه» الإيراني بالإضافة الى قوى اخرى مثل الشيعة الكرد «الفيلة» والشيعة التركمان.
وتطمح إيران عبر استثمار واستغلال الكبت والاضطهاد التاريخي اللذين وقعا على الديمغرافيا الشيعية في العراق من اجل أن تكون هذه الديمغرافيا وسيلتها في تحقيق السيطرة على الحالة العراقية، على أرضية مذهبية بحتة وليس على أرضية سياسية أو برامجية،.. وهنا يتحول الشيعة العرب في العراق القابلون للدخول في هذا المشروع بعلم أو بدون علم وبوعي او بدون وعي الى مشروع إيراني ،.. فارسي، وعجمي.
ثانيا : في مقابل هذا الجهد الإيراني سعت دمشق ووفقا لمعلومات معلنة من الحكومة العراقية الحالية.. من رئيس الحكومة الدكتور أياد علاوي (في حديث خاص منشور في الرأي) ومن وزراء الدفاع والداخلية ومن وزير شؤون الأمن الوطني قاسم داود أن دمشق تستضيف قيادات بارزة في النظام السابق، سياسية وامنية وحزبية (السبعاوي الأخ غير الشقيق للرئيس العراقي السابق صدام حسين وطاهر حبوش مدير مخابرات النظام السابق وغيرهما) وتستضيف معهم أموالا طائلة تقدم للإرهابيين في العراق وتحديدا لبقايا النظام في المثلث السني (بعقوبة، صلاح الدين، الموصل، الرمادي) من اجل استبعاد هذا المثلث عن العملية الانتخابية والمسيرة السياسية وليبقى أسيرا للفوضى والدمار والمواجهات، والقصد في نهاية المطاف استبعاد السنة عن المعادلة العراقية، وهو استبعاد خطير لسبب بسيط واحد وهو أن : السنة ووفق الحالة العراقية هم لحمة العراق، فهم العرب مع الشيعة وهم السنة مع الأكراد.. وبغيابهم يقسم العراق عمليا الى قوميتين وإقليمين هما الإقليم العربي الشيعي في الجنوب وتسيطر عليه إيران وفق تلك المعطيات، والإقليم الكردي السني في الشمال ومصيره مازال مجهولا وهو قيد صراع بين مشروعين هما التركي والإسرائيلي.
.. هذا هو هاجس الملك عبد الله الذي اعتدنا على جرأته في قول ما لا يستطيع قوله الآخرون.. الملك الهاشمي سليل بيت النبوة لا يمكن أن يكون ضد من «تشيعوا» الى أهله وهو لن يكون أبدا مع من ساروا على سنة نبي هذا البيت الطاهر، فهو وكما قال الدكتور أياد علاوي في حديثه الخاص للرأي قبل اسبوع «إن الملك عبد الله سليل آل البيت الكرام والذين يحظون بإجماع لدى السنة والشيعة والكرد لا يمكن أن يتحدث بلغة طائفية أو مذهبية وعنصرية»، وهذه شهادة من رجل يملك مصداقية كبيرة، لكونه شيعيا من حيث المذهب وعروبيا من حيث الانتماء وليبراليا من حيث الفكر السياسي الذي يعتمد الحرية والنظرة الى العالم والانفتاح عليه أساسا للعمل.
..فالقصة أن جلالته أصاب إيران ومشروعها للهيمنة تحت الغطاء الطائفي المحض بمقتل، أصاب معها من حالفها، ومن هنا كانت الحملة علينا حملة ظالمة لم تراع حتى ابسط القيم رغم أن النطق الملكي كان مترفعا وساميا الى درجة يدرك الآخرون انهم لا يملكونها.