دبت الحياة في بلدنا، وتدفقت الحرارة والصخب في شرايين السياسة الداخلية، واستنفرت مفاصل ومكونات النشاط السياسي وعنوانه البرلماني، منذ افتتاح الدورة الثانية لمجلس النواب الرابع عشر يوم 1/12/2004، بعد اجازة دستورية استمرت طوال الصيف الماضي، وتم تمديدها قسرا مع بداية الخريف لمدة شهريا، بهدف واضح ملموس مرئي يتمثل بمساعدة الحكومة بعد التعديل والتوسع واضافة وزراء جدد لها، لعلها تأخذ نفسا ووقتا وترتاح من مستجدات ما يستجد من أعمال، والذي يجعل رئيس الحكومة وفريقه الوزاري في حالة يقظة وتنبه تحت القبة لأسئلة جدية تستاهل الملاحظة والاهتمام والرد، او للتنبه لاشاعات يمكن ان تقال تحت القبة فتحتاج للصد او سوء فهم يتطلب التوضيح.
إجازة النواب طالت، وعادوا في حالة اصطفاف بين مسارين وتحالفين، وقف احدهما خلف عبر الهادي المجالي مرشحا لرئاسة المجلس، ووقف الآخر داعما لعبدالكريم الدغمي منافسا قويا على الرئاسة.
المجالي قاد تحالفا مكونا من الوسطيين مع اليساريين، والدغمي خاض معركة الرئاسة عبدتحالف من الوسطيين مع الاخوان المسلمين، الذين تخلوا عن تحالفهم السابق مع المجالي كما حصل في دورة 2003، وهكذا أضفت هذه التحالفات على العراك الانتخابي نكهة سياسية لم تكن من قبل بهذا المستوى من الوضوح والاندماج والتنافر والاستقطاب.
كتلة الائتلاف الوطني الديمقراطي شارك بها بشكل حيوي رموز اليسار وفي مقدمتهم صانع التكتيكات بسام حدادين دينمو التجمع الديمقراطي الذي اوصل ممدوح العبادي بشكل مفاجئ ولم يكن متوقعا ليكون نائبا اول لرئيس مجلس النواب.
بينما كتلة التغيير والاصلاح جمعت اقطاب المجلس وابرز قياداته من عبدالرؤوف الروابدة الى سعد هايل سرور وعبدالكريم الدغمي ومعهم «الاخوان المسلمين»، الذين نجحوا في تعطيل النصاب، بعد ان خطف الائتلاف الوطني الديمقراطي، نتائج انتخابات المكتب الدائم ونجاح اعضائه من بين صفوف الكتل المشاركة في الائتلاف الوطني الديمقراطي.
تعطيل النصاب من قبل كتل التغيير والاصلاح غير قواعد اللعبة، وادت الى تفاهمات متداخلة، فكفكت صيغ التكتل الصارم وانعكست على نتائج انتخابات رئاسة اللجان بشكل لا يتوافق مع الصيغة التي أخرجت نتائج انتخابات المكتب الدائم.
حالة الاستقطاب التي اوصلت المجالي مع المكتب الدائم لرئاسة المجلس اولا وحالة الانفكاك التي غيرت قواعد اللعبة وانعكست على نتائج انتخابات اللجان ثانيا، دفعت بكل من عبدالهادي المجالي وبسام حدادين للعمل على تعميق التحالف بين الوسطيين واليساريين، من خلال مشروع صيغة تنظيمية ذات طابع جبهوي تتقدم الى الامام لعلها تشكل رافعة سياسية متقدمة نسبيا، تأخذ موقعها ومكانتها البرلمانية والسياسية والحزبية، وتفتح الطريق نحو ارساء تقاليد او قيم برلمانية وتسمح بوجود قائمة برلمانية تدعم الحكومة وقائمة معارضة لها وهكذا يؤدي ذلك الى استقرار النظام القائم على تداول السلطة والثقة المتبادلة مع مرور الوقت.
دبت الحياة في مفاصل وشرايين السياسة الداخلية في بلادنا، واظهرت حاجة الاردنيين وتوقعهم لرؤية برلمان حيوي تتصادم تحت قبته القيادات وتتفاعل مع الاحداث مولدة حالة من التجاذب نحو عناوين كانت غائبة في غياب البرلمان، وغدت متحركة وتحت الاضواء بعودة النواب ليكونوا هم واجتهاداتهم واطروحاتهم وقضايا اهتمامهم هي عناوين الصحف، وهي حال تسمح للناس وللناخبين كي يروا نتاج خياراتهم النيابية فهل هي بمستوى الرهان ام دون ذلك؟
وسواء نجحت الرهانات ام اخفقت، فقد استحوذ البرلمان طوال السنوات الماضية منذ عام 1989، على الاهتمام السياسي واداته وشكل تعبيراته، وغدا النواب وحدهم الذين يحركون المشهد السياسي ويجذبونه، ومن هنا دبت الحياة والحراك في جبهتنا الداخلية واصبح لها طعم ونكهة بعودة النواب الى العمل تحت القبة، وزاد المشهد حيوية بالاصطفافات البرلمانية وتوزع المعارضة الدينية واليسارية بين قطبي الوسط المجالي والروابدة.
المشهد السياسي الاردني رغم حيويته ولكنه متزن واداء اللاعبين يتم على ارض الملعب الواحد وتحت سقف الولاء للنظام والدستور والقانون والتطلعات مشروعة وتسير في سياق محسوب وخدمة لنمو العملية الديمقراطية في بلادنا والتي لا شك أنها تخدم بلدنا وامتنا وحقوقنا الدستورية كمواطنين.