كان من اهم مظاهر الخلل الاقتصادي الذي افضى الى البدء ببرنامج التصحيح الاقتصادي منذ بداية عقد التسعينات هو ارتفاع حجم الاستهلاك الكلي مقارنة بالناتج المحلي الامر الذي يعني ان حجم الانتاج لا يطاول قامة الاستهلاك وان هذا بدوره لا بد وان يتحصل في وجود حالة من الادخارات السالبة تضعف دون شك من القدرة على الاستثمار.
واستطاع برنامج التصحيح فعلا ان يخفض من منسوب حجم الاستهلاك الكلي الى الناتج الى ان ازال ظاهرة الخلل الاقتصادي بعد منتصف العقد المنصرم اي في النصف الثاني من عقد التسعينات، غير انه وقبل انتهاء هذا العقد دلت الارقام على ان ظاهرة ارتفاع حجم الاستهلاك عن الناتج عادت من جديد وتحديدا منذ عام 2000 وان هذه الظاهرة لا زالت تلازم الاقتصاد الوطني.
ان النظر في مكونات حجم الاستهلاك الكلي من استهلاك عام واستهلاك خاص يلحظ تراجع نسبة الاستهلاك الخاص الى الناتج المحلي الاجمالي خاصة منذ عام 2002 بينما يلاحظ ايضا ان نسبة اجمالي الاستهلاك العام تعتبر تقريبا ثابتة او انها تتراجع بشكل طفيف جدا مع ان عقد التسعينات وحتى الان شهد حالة من التخاصية والتطوير الاداري يفترض ان تكون قد ساهمت بشكل فعال في انخفاض نسبة الاستهلاك العام الى الناتج، الامر الذي يشير الى بقاء هذه النسبة عند حالها تقريبا ما يعطي مدلولا آخر وهو ضعف القدرة على تحقيق هدف تخفيض نسبة عجز الموازنة العامة الى الناتج وهذا ايضا ما عكس ذاته في عدم استمرار نسبة هذا العجز في الانخفاض.
ان الامر الملفت للانتباه هو حقيقة ليس فقط وجود ظاهرة الادخارات السالبة او ازدياد الاستهلاك عن الدخل بل ان هذه امور قد تظهر حتى وان كانت هناك حالات من التصحيح الاقتصادي، بل ان تجاهل وجود هذا الخلل الاقتصادي وعدم الاشارة اليه لا من بعيد ولا من قريب انما يعني انه ليس هناك تقدير صحيح للمشكلة الاقتصادية او انه ليس هناك ثمة نظرة موضوعية شاملة الى الاداء الاقتصادي برمته الامر الذي يشير ايضا الى تراجع هذا الخلل عن اولوية مظاهر الخلل الاقتصادي واعتباره امرا ثانويا وليس اصيلا في وجود هذا الخلل، ان مثل هذه النظرة في التعامل مع اخطر مؤشر يدل على الاختلال الاقتصادي هو الامر المقلق وهو الذي لا بد للسياسة الاقتصادية ولبرامج التصحيح الاقتصادي ان تلتفت اليه، ذلك ان الاعتراف بوجود هذا الخلل ومعرفة حجمه وطبيعته وماهيته يعتبر اجتيازا لنصف الطريق باتجاه حل المشكلة.
ان مؤشر الاستهلاك والدخل والادخار هو المثلث الاكثر اهمية في الدلالة على جملة اداء التصحيح والتنمية وبالتالي فان الدعوة يجب ان تنطلق نحو ضرورة الالتفات الى هذا المثلث وان التغاضي عنه يضع عملية التصحيح الراهنة بعيدة عن المواجهة الحقيقية لظواهر الخلل الاقتصادي