احمد حسن الزعبي

في صوته أسمع كل شيء.. انشغالات الفلاحين بأرضهم، ورقصة القمح عند الغروب، نشيج فرح الأم في حناء وحيدها، تعاليل حارتنا الصيفية، وصوت المطر الكثيف على «مشمّع» النافذة في كانون.. في صوته الحزين يحمل لي حوران قطعة من حرير وياسمين،  ويطير بي الى وجعي والى رجع الأنين..من صوته تقفز «مهرة» الوطن تسابق مدى صوته عشقاً وجموحاً..لأنها تعرف كم يحب «متعب» الوطن!!..
***
متعب السقار، الفنان الأردني الوحيد الذي يعتاش فنّه عليه ..بدلاً من ان يعتاش هو على فنّة،ثلاثون عاماً وهو ينحت اسمه في صخر الابداع والشهرة،وحيداً أعزل من أي دعم مؤسسي أو إنتاجي أو وطني، ثلاثون عاماً و»متعب» المُتعَب يجوع ليطربنا،  قابضاَ على جمر مبادئه وأصالة غنائه دون ان يلتفت اليه أحد.
 ثلاثون عاماً وهو ينزف كل يوم.. عندما يرى  أنصاف المطربين قفزوا عنه بزانة المادة والمحسوبية «وحكلي تا احكّ لك» واحتلوا الشاشات بنشازهم، ثلاثون عاماً وهذا الفنان الطيب الرقيق يدفع ثمن التزامه بصمت، كرمال وطنيته التي لم يحاول ان يستغلها في التزلّف أو الثراء أو الوصول.. متعب السقار» حارس التراث»،  منذ عشر سنوات يعجز ان ينتج البوماً غنائياً واحداً، مع ان لديه عشرات الأغاني المكتوبة والملحنة والمركونة على رف الوقت.. بينما غيره ممن يؤجرون حناجرهم بمناسبة وبدون مناسبة.. ينتجون البوماً غنائياً «كل ثلاثة ايام وثلث»..يااااااه كم هي قاتلة سخريتنا وكم هو مؤلم هذا التهميش،فمن ملأ الدنيا بصوته: «اردنيين وما ننضام»..يكون أول من «يُضام»!!!..
حتى المهرجانات التي تجري كل عام،بدلاً ان تكون له ولزملائه المبدعين فرصة، تكون لهم «قرصة»، هذه المهرجانات التي  لمّعت عشرات المطربين والمطربات العرب المهملين في فنادق النجمة والبارات الرديئة في العواصم العربية .. أدارت ظهرها لهذا الرجل وغيره من زملاء المهنة.. ووضعتهم على هامش الهامش من باب رفع «العتب» من الإعلام والنقابة والجمهور الأردني..
كلما نظرت في عيني متعب شعرت ان بهما بحر عتب.. وكلما هاتفني متعب، أحسست أن عمق الجرح الذي يبحّ صوته عميق عميق..
متعب أيها الصديق المُتعَب الجريح.. لن يغتالوا صوتك وان أرادوا.. من يجرؤ على اغتيال صوت السنابل أو اخفاء صوت الريح؟؟..
ahmedalzoubi@hotmail.com

الخميس 2011-11-17