د. زيد حمزة

الخبر الأول في اذاعة لندن BBC صباح الاربعاء 18 /4 /2012 كان عن قرار حكومة الارجنتين بتأميم شركة البترول الوطنية التي تملكها شركة اسبانية ((عالمية)) وعن ردود الفعل الغاضبة في الصحافة الاسبانية والاوروبية والاميركية ! ولفهم خلفية هذا التأميم نعود الى كتاب The Shock Doctrine لنعومي كلاين، حيث الوصف التفصيلي لتطور مأساة الارجنتين وتدهور اقتصادها منذ الانقلاب العسكري عام 1976 الذي مولته الـ USAID بأمر من الخارجية الاميركية مع نصائح البنك الدولي وتدخُّل عالم الاقتصاد الاميركي آرنولد هاربرغر أحد عرابي مدرسة شيكاغو وكان من نتائجه أن غرقت الارجنتين اكثر فأكثر في الازمات المالية والبطالة والتضخم حتى اضطرت آخر الأمر لبيع مصانع وشركات القطاع العام ومنها شركة البترول الوطنية عام 1999. فلا غرو إذاً وقد ظفر الشعب الارجنتيني بالحكم الديمقراطي بعد نضال طويل وشرع في علاج اقتصاده بأن يسترد ثروته البترولية من أيدي سارقيها !
لنستذكر معاً بعض تاريخ التأميم منذ عرفناه أول مرة في تأميم بترول ايران على يد حكومة محمد مصدق عام 1951 حيث قامت قيامة الدول المستغلة الكبرى وكانت اميركا وبريطانيا يومذاك في مقدمتها، وجرى ما جرى من تآمر الـ CIA مع الشاه في انقلاب قاده الجنرال زاهدي عام 1953 وأطاح بمصدق وسجنه ثلاث سنوات ثم وضعه في الاقامة الجبرية حتى موته ! والتأميم الثاني الذي هز العالم كان في مصر عام 1956 يوم قرر جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس ووقع القرار كالصاعقة على رؤوس الدول ((المنتفعة)) من استغلال هذا الشريان التجاري الدولي الهام فثارت ثائرة بريطانيا وفرنسا ووصل الأمر حد افتعال حربٍ على مصر تمثلت بالعدوان الثلاثي الغادر، لكن مصر صمدت فبقيت القناة ملكا للشعب المصري.. والثالث كان في تشيلي حين أمم الرئيس سلفادور اليندي مناجم النحاس عام 1970 فغضبت أميركا وشركاتها الكبرى وتحركت الـ CIA بأمر من وزارة الخارجية أيضاً وتمويل شركة التلغراف والتلفون I.T.T لتدبير الانقلاب العسكري الدموي بقيادة بينوشيه عام 1973 الذي أعاد تشيلي الى حظيرة اقتصاد السوق كاول تجربة تطبيقيه للعلاج بالصدمة استخدمها تلاميذ جامعة شيكاغو باشراف استاذها ميلتون فريدمان.
وكيف لنا أن ننسى في هذه العجالة التاريخية عن التأميم تلك الرسالة القصيرة المكونة من سطرين اثنين التي كتبها نلسون مانديلا من سجنه عام 1990 وبعث بها الى رفاقه في حزب المؤتمر الوطني الافريقي لينهي جدلاً قام في صفوفهم حول ما إذا كانت سنوات السجن السبع والعشرين قد أضعفت التزامه بمبادئ التغيير الاقتصادي لجنوب افريقيا بعد التحرير، وجاء فيها: ((إن تأميم المناجم والصناعات الاحتكارية الكبرى هي سياسة ثابتة للحزب وأي تعديل عليها غير مقبول على الاطلاق )).. ملحوظه: مناجم الذهب في العالم موجودة في جنوب افريقيا.
وفي هذه الاثناء وعلى مدى عقود من الزمن القاسي استمرت عجلة الشركات العالمية الكبرى تطحن اقتصادات البلدان النامية بالمزيد من الخصخصه ولعل من أهم من وثّق ذلك عن أميركا اللاتينيه ادواردو جوليانو في كتابه The Open Veins of Latin America الذي أهداه الرئيس الفنزويلي تشافيز للرئيس الأميركي اوباما حين التقيا قبل عامين وطلب اليه أن يقرأه ليدرك بنفسه بشاعة الجرائم التي ارتكتبها الدول الاستعمارية وعلى رأسها بلده بحق شعوب اميركا اللاتينية وكيف قلبت حكوماتها الديمقراطية وأتت بدكتاتوريات عسكرية تنفذ أوامرها وتحقق اهدافها وتسهّل لها نهب ثرواتها.
وبعد.. ليست المشكله مجرد سرقة الاوطان بالخصخصة واستعادة المسروقات بالتأميم بل اكبر من ذلك بكثير ، إنها معركة محتدمة بين اقتصاد السوق المنفلت وهو الاب الشرعي للجشع الشركاتي الذي لا يعرف فضيلة القناعة ولا يأبه بكرامة البشر، وبين اقتصاد يحترم حقوق الانسان ويهدف لتوفير العدالة الاجتماعية..
Twitter: @drzaidhamzeh

السبت 2012-04-28