مرت الاسبوع الماضي مناسبة الاحتفال باليوم العالمي لحرية الاعلام، وبقي الجدل المتجدد حول اصلاح الاعلام ومتطلبات هذا الاصلاح .وعلى اهمية ما يجري طرحه في الاردن وغيره من اراء ورؤى في هذا الخصوص ،الا ان الكثير من الاوهام تختلط بالحقائق حول وصفات النهوض بدور الاعلام.ويبدو ان الامر يتطلب مجددا العودة الى نقطة الصفر المتمثلة في تحديد موقع الاعلام من خارطة العمل العام ،بابعادها السياسية والاقتصادية والمجتمعية الشاملة.وفي هذا السياق فان الانحياز الى الراي القائل بان الاعلام ما هو الا انعكاس للواقع المجتمعي القائم يجد له ما يبرره لاكثر من سبب، دون ان يعني ذلك الاستهانة بدور الاعلام في دفع عملية التغيير والاصلاح الى الامام.
واذا دققنا بما يجري طرحه في الغرب الديمقراطي المتقدم والعالم الثاني، بمن فيه الاردن، لدى استقبال مناسبة الاحتفال بيوم حرية الاعلام، نلاحظ ان اختلافا كبيرا في طبيعة القضايا المطروحة في هذا الخصوص تعكس الفوارق السياسية الاقتصادية الاجتماعية بين العالمين ، وهو الامر الذي يؤكد الارتباط العضوي بين الاعلام والبيئة الحاضنة والتاثير المتبادل بين هذا الاعلام وبيئته.وهنا يمكن القول بان وجهة النظر القائلة بان اصلاح الاعلام في بلد ما هو مقدمة ضرورية للاصلاح الشامل هي وجهة نظر متحمسة اكثر مما هي واقعية.والاصح ان اصلاح الاعلام مرتبط بمدى التقدم في الاصلاح الشامل بمختلف جوانبه ، ولا يمكن ان ياتي معزولا عن البيئة الحاضنة له، والتي لايستطيع الاعلام مهما حاول الخروج من ثوبها.وربما يكون هذا هو السبب الرئيسي في الحديث السنوي المتكرر عن اهمية اصلاح الاعلام والنهوض بدوره دون ان يتحقق شيئا يذكر من هذا الامر الا بالقدر الذي تشهده البيئة السياسية الاقتصادية المجتمعية من تحولات.
وبالعودة الى بلدان العالم الديمقراطي المتقدم، التي ارست قواعد واضحة لعمل السلطات والمؤسسات، نلحظ كيف ان امبراطور الاعلام العالمي روبرت ميردوخ قد تمكن خلال السنوات الماضية بقوة القانون والبيئة المؤسسية الحاضنة من التحكم بامبراطورية اعلامية ممتدة عبر القارات، تجاوز تاثيرها التحكم بالراي العام الى مفاصل السياسة والاقتصاد .الا ان خروج بعض الصحف ،التابعة لميردوخ المتنفذ ،عن القواعد القانونية الواضحة للحرية الاعلامية وضع امبراطوريته الاعلامية على حافة الانهيار الوشيك، بعد الكشف عن تجسس صحفه ،خلافا للقانون، على مكالمات شخصيات عامة بهدف الحصول على المعلومات خارج السياق القانوني . ولم يشفع لميردوخ في شيء نفوذه السياسي غير المسبوق في الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما. والفضل في كل ذلك للبيئة التي سمحت لميردوخ بالتمتع مرة بكل هذا النفوذ ،ووضعته مرة ثانية على ابواب الانهيار حين خرج على القوانين الناظمة للحرية الاعلامية.
وبالنظر الى ان الاردن ودول المنطقة العربية وغيرها من دول العالم الثاني ما زالت تتلمس طريقها نحو الاصلاح الشامل، وان بدرجات متفاوتة ،فان الجدل حول الحرية المفترضة للاعلام واصلاحه سيظل قائما ،مع كل خطوة يتقدم فيها اويتراجع مسار الاصلاح الشامل، والذي لايمكن عزل الاعلام عنها تاثرا وتاثيرا وان بدرجة اقل.وحتى لايبدو الاعلام مظلوما وهو يعجز مجددا عن احداث نقلة نوعية في ادائه ،خصوصا مع التطور المذهل الذي تشهده وسائل الاتصال الجماهيري،فان حصته من المسؤولية تقتصر على مواجهة تحدي تعزيز القدرات المهنية على اسس فردية مفترضة بكل اعلامي، وعلى اسس مؤسسية واجبة على كل مؤسسة اعلامية. اما الاصلاح بمعناه الاوسع فهو مرتبط حكما بالاصلاح الشامل للبيئة السياسية الاقتصادية الاجتماعية الحاضنة للاعلام الذي هو في النهاية يعكس الوضع القائم ولا يصنعه .