تمر المنطقة العربية عموما بمرحلة انتقالية، وفي المراحل الانتقالية تكون المتحولات أكثر بكثير من الثوابت، وتتسم العملية السياسية حيئنذ بالتعقيد وبكثرة التفاصيل التي تقود المتابع الى متاهات بالقراءة والتحليل، وقد تكون أحد أهم المعضلات التي يواجهها العمل السياسي بالاردن على سبيل المثال هي تشابه أو حتى تطابق الخطاب السياسي لدى المهتمين أو (المشتغلين والمنشغيلن) بالحقل السياسي، وهو بالمناسبة خطاب يطغى علية التكرار والافتقار لخطاب النحب السياسية في مرحلة دقيقة وحساسة كالتي نشهدها وتشهدها المنطقة.
وبالعودة الى محاولة قراءة ملامح المعادلة الاقليمية، لعل من المفيد البدء بقراءة العناصر الجديدة التي تتسم بالثبات وتلك العناصر التي ما زالت بطور التشكل ولكنها تسير باتجاه واضح يمكن التكهن بنهاياته، مما يقودنا حكما للحديث سريعا حول – الأزمة السورية وتعقيداتها الدولية والاقليمية – التحول النوعي بالاستراتيجية الامريكية المتعلقة بايران (بعد الانسحاب من العراق) وملف الخليج الجيوسياسي الذي يواجه استحقاقات لها طابع تاريخي، أما مصر فهي منشغلة بوضعها الداخلي ويكاد أن يكون تأثيرها على المعادلة الاقليمية معدوما.
وفيما يتعلق بالازمة السورية، فأول الثوابت هو الموقف الروسي الذي تبين للجميع انه موقف استراتيجي وليس موقفا تكتيكيا عابرا كما كان يعُتقد، فالموقف الروسي فرض على الاطراف الدولية حلا دوليا للازمة السورية وهو ما عبر عنه الرئيس الامريكي في قمة الثماني الكبار الاسبوع الماضي (أن حل ألازمة السورية يجب أن يكون حلا سلميا)، والثابت الثاني بالازمة السورية هو أن حلها سيقود الى فتح ملف التسوية الشاملة للصراع العربي الاسرائيلي، وسيفصل سوريا عن إيران، ويفتح الطريق أمام اعادة صياغة الوضع الداخلي اللبناني ومدخله (سلاح حزب الله)، ولعل من الواضح أن النظام السوري لن يتغير على شكل انهيار درامي، فالعمليات الانتحارية ضد سوريا هي دليل افلاس سياسي وليس العكس.
ان توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران لم تعد مطروحة، ما يعني أن الحل سيكون سياسيا وبإطار دولي، وهذا بدوره سيضع (مستقبل) الخليج العربي على طاولة البحث وبما يضمن ايجاد مساحة ما لدور إيراني بمنطقة الخليج، وهذا قد يرتب اعادة صياغة العلاقة الخليجية – الخليجية من جانب والعلاقة الخليجية الغربية من جانب آخر، فالقادم هو زمن جديد، ستتضاعف فيه أهمية بعض الدول كالاردن على سبيل المثال لا الحصر.
سيبقى الوضع الفلسطيني معلقا الى حين ايجاد صيغة حل دولي عبر تسوية شاملة ستفضي الى اقامة دولة فلسطينية مستقلة، وسوف يتقرر مصير اللاجئين الفلسطينيين على ضوء هذه التسوية، ومن المنطقي أن يناط شكل التعامل السياسي والإنساني معهم للدولة الفلسطينية (باستثناء لاجئي 48) فهي ستكون دولة لكل فلسطينيي العالم كما اسرائيل دولة لكل يهود العالم حسب الرؤية الاولية للحل.
إننا إزاء مرحلة انتقالية ذات طابع تاريخي، وأي تعامل سطحي معها سيكون كارثيا، صحيح أن متحولاتها تفوق ثوابتها، ولكن على كل ادراك ووعي مصالحه، ويفعل ما يتوجب عليه فعله، فليس هناك مجال للاوهام، فهذه المرحلة تشبه الى حد بعيد تلك المراحل التي تلت الحرب العالمية الاولى والثانية، التي صِيغت بها الحياة من جديد وصِيغت جغرافيا دول المنطقة على أساس مصالح الدول الكبرى.