محمد خروب

تابعت على مدى ستة ايام ما كتبه وزير خارجية حسني مبارك لمدة سبع سنوات، احمد ابو الغيط، في صحيفة الشرق الاوسط، تحت عنوان «اوراق الخارجية المصرية»، أراد من خلالها اكثر وزراء خارجية مصر استفزازا وصلفا بل والاكثر ترويجا وتبريرا للسياسات الاميركية والاسرائيلية على نحو اثار حفيظة الشعوب العربية (دع عنك بعض ساستها ودبلوماسييها) ودفع بالمزيد من الاسئلة عن الكيفية التي يؤتى بهؤلاء لتبوؤ موقع مهم كهذا في دولة مركزية كمصر، تلميع نفسه او استعادة الاضواء التي فقدها.

من يقرأ الحلقات الست التي روج من خلالها ابو الغيط لكتاب يستعد لطرحه في الاسواق يتحدث فيه عن تجربته في العمل الدبلوماسي المصري، يخرج بانطباع ان الرجل مجرد «حكّاء» ليس إلاّ، لا يمتلك القدرة على ربط الاحداث بل يكتشف المرء في غير عناء، سذاجة التحليل والبناء غير المنطقي على الوقائع والاحداث التي تفوح من خلالها، (على عادة معظم الساسة العرب «على قِلّتهم»، الذين يَتصدّون لكتابة تجاربهم او ذكرياتهم في الوظيفة الرسمية او العمل الحزبي)،تفوح رائحة الأنا المتضخمة التي لا ينفك الكاتب/ الراوي على التذكير بها رغم انه يورد احداثاً وتواريخ كان فيها موظفا صغيرا لا دور له في واقع الحال، وهذا ما نجده في الحلقة الثانية (26/8) عندما بدأ يُعلّق على لقاء مع مدير مكتب مستشار الأمن القومي المصري محمد حافظ اسماعيل قبل اربعين عاما (آب 1972) لم يكن هو سوى رابع ثلاثة من الموظفين الجدد اراد مديرهم (عبدالهادي مخلوف) تعريف اسماعيل بهم.. ولكن الهدف من السرد يتضح على الفور إذ يريد الرجل بدءا من هذه الحلقة الدخول في عملية تبرير لسياسات السادات السلمية (اقرأ الاستسلامية) تجاه اسرائيل وما كان يطرحه من مشروعات لا تلبث اسرائيل ان تقابلها بالرفض اضافة بالطبع الى ان الرجل لا يترك فرصة الا ويغتنمها للغمز من قناة عبدالناصر والاتكاء على الدوام الى نتائج عدوان 5 حزيران لتبرير كل مقارفات السادات وارتكاباته «.. كان قد مضى على الاحتلال حتى ذلك الحين (1972) خمسة اعوام شهدت محاولات (!!) مصر في منازلة اسرائيل عسكرياً في حرب الاستنزاف (لاحظوا هنا تهافت المفردات وهزالها) ثم يستطرد - ابو الغيط – «في محاولة التوصل الى تسوية سياسية مرضية للصدام مع اسرائيل تعيد الى مصر ارضها المسلوبة، ولم تحقق كل هذه الجهود هدفها، بل كان الصلف الاسرائيلي يزداد كلما حاولت مصر البحث عن سبيل سياسي لتحقيق انفراجة»..

بمثل هذه العبارات العمومية التي تكاد ان تكون لغة صحافية بل واقل كثيراً، يواصل مَنْ كان وزير خارجية اكبر دولة عربية، سرديته وذكرياته التي تقول كل شيء ولا تقول شيئاً، بل لعل اكثر الحلقات بؤساً وضحالة هي تلك التي تحدث بها عن ملابسات اجتماعات كامب ديفيد والمناورات التي اتبعها (السادات) عبر التهديد بالمغادرة وكيف ان الاميركيين (والاسرائيليين بالطبع) كانوا على اطلاع كامل «بنفسية» السادات و»جملته العصبية» فتعامل كارتر معه على هدي مما زودته بها الوكالات الاستخبارية من تقارير حول الرجل ونقاط ضعفه وقوته، ورأينا كيف جاءت النتائج.

من يقرأ ابو الغيط لا يشعر بالمتعة بقدر ما تصيبه من غثيان، السطحية التي تبدو عليها «اوراق» الرجل الذي لم يتردد لحظة في اظهار تبعية نظام مبارك لواشنطن وتماهيه مع المصالح الاسرائيلية وخصوصاً عندما يعيد علينا اسطوانة الانعزاليين المصريين حول خسائر مصر وتضحياتها من اجل فلسطين والعرب وغيرها من الترّهات التي لا تجد لها سنداً مقبولاً او منطقياً في دروس التاريخ والجغرافيا التي هي في الاساس «عبقرية» المكان الذي منح مصر دورها ومكانها وريادتها عبر التاريخ الممتد وليس في الفترة القصيرة الاخيرة التي اوجد فيها الاستعمار الغربي دولة الاستيطان اليهودي على ارض فلسطين واغلق بذلك «البوابة» التي تعبرها مصر نحو الشرق..

اطرف ما في الحلقات الست الطويلة والمملة والمفتقرة الى الجاذبية والخيال السياسي وخصوصاً غياب الصدقية والاقناع عنها، ان الرجل يُقدّم قراءة اقرب الى نصائح الرجل الذي لم يدرك الحكمة الا متأخراً - في الحلقة الاخيرة يوم الخميس الماضي - تكاد تعكس عقلية الجمود والتكلس التي عاشتها الدبلوماسية المصرية في عهد مبارك وخصوصاً بوجود ابو الغيط «... الحقيقة، اقول لكل هؤلاء الذين سيحاولون اعادة اختراع العجلة، طبقاً للمثل الانجليزي المعروف.. عليكم التدقيق في المنطلقات الثابتة والمستقرة للسياسات الخارجية المصرية عبر التاريخ المصري الممتد الذي حكمته الجغرافيا والثقافة الضاربة في عمر التاريخ» .. كأنه «تحذير» يوجهه ابو الغيط لمن يدعون الى تغيير جذري في السياسة الخارجية المصرية بعد كنس نظام مبارك، وبروز اجواء جديدة تُطالب بإحداث قطيعة فعلية مع الارث المقيت الذي خلّفه مبارك ومن ترأس دبلوماسيته منذ كامب ديفيد والسلام المنفرد مع اسرائيل... حتى الآن.

kharroub@jpf.com.jo

 

السبت 2012-09-01