ابراهيم العجلوني

رحم الله فيلسوفنا الراحل سحبان خليفات, ما كان اكثر ولعه بالتحقيق والتدقيق والرجوع بالافكار والاخلاق الى مظانها قبل أن يصدر أحكامه في شأنها.
كان هذا الفيلسوف العربي الاسلامي الذي ستعرف الاجيال القادمة قدره دون ريب حريصاً الحرص كله على أن يقرأ دقائق الاشياء في الفلسفات التي يدرسها وفي المجتمعات. وكان يقوم بذلك بنفس طويل يصابر الاسفار ولا يفتر في ذلك في ليل أو نهار, ولقد اجهد نفسه كثيراً في ذلك تحقيقاً منه لمعنى الفلسفة في أقصى ما يمكن للانسان أن يحققه من ذلك..
من ذلك مثلاً تحليله لرؤى ثلاثة من الفلاسفة للمجتمع الاميركي المعاصر هم: جون ديوي, وهربرت ماركوز, وفيكتور فيركيس, الذين يتفقون على أن هذا المجتمع يعيش تناقضاً واضحاً بين حياة تقنية متقدمة وبين حياة روحية/ ثقافية متخلفة أو مجدبة.
فالحياة الاقتصادية حوّلت الافراد في هذا المجتمع الى تروس صماء في عملية الانتاج فسلبتهم انسانيتهم وحريتهم, لتحل محلها الحتمية المنظمة, إذ فرضت على الافراد ضروباً من الوحدة, مثل «اتحادات العمال» و»الشركات الاحتكارية» و»توحيد وسائل تزجية أوقات الفراغ», حتى «الجريمة» دخلت عالم التنظيم والتكتل الاتحادي, أما من يرفضون هذه الحياة الآلية من كتاب وفنانين, فليس أمامهم الا أن يطردوا خارج المجتمع بصفتهم بوهيميين.
اما قادة هذا المجتمع فهم قد يكونون قباطنة موجهين في ميادين المال والصناعة كما يقول «جون ديوي» ولكن ليس في وسعهم أن يكونوا قباطنة موجهين لأرواحهم ومعتقداتهم وأهدافهم. وهكذا ينتشر القلق والخوف والاضطراب الذهني نتيجة لاستلاب مقومات الوجود الانساني في المجتمع وهنا يقف الدكتور سحبان خليفات امام ما يلاحظه فيكتور فيركيس من شيوع استعمال المخدرات وانماط التمرد المختلفة في صفوف الشباب وازدياد معدلات العنف والجريمة، وكأن الجيل الجديد مجموعة من البرابرة تتأهب لتقويض دعائم الحضارة وهنا كذلك يتبين لنا كيف وقع معظم العسكريين الذين يقاتلون خارج وطنهم لصالح الشركات الكبرى فريسة للانهيار النفسي او الصراع الاجتماعي والفصام الحضاري.
ويذهب الدكتور سحبان خليفات بعد تناوله لبعض دعوات الاصلاح في المجتمع الاميركي الى موافقة فيركيس على ان قدرة المجتمع الاميركي على اجراء هذا الاصلاح محدودة جدا بسبب الشركات الكبرى والمصالح العليا التي ترى في هذا التعبير المنشود اضرارا بمصالحها، وهكذا فان على المجتمع الاميركي ان يعيش كما هو حتى تحين ساعة موته كما يقول فيركيس.
ونحن لا نملك هنا ان نتابع الدكتور سحبان رحمه الله في تحقيقاته وتدقيقاته، فذلك ما لا يستطيعه إلا اولو العزم من القراء وقليل ما هم ولكننا نحب لفت الانظار الى ان فيلسوفنا الراحل لا ينسى وهو يواجه ادق ملامح الفلسفات والمجتمعات ان يعود بها الى اطرها العامة واسبابها الغالبة فهو يقول في خاتمة حديثه عن المجتمع الاميركي مستندا الى رؤى فلاسفة الغرب المشهود لهم بمعرفة ادوائهم: ان علينا ان نلاحظ ان القيم الغربية خليط من القيم الوثنية اليونانية والرومانية، في الوقت الذي حورت فيه المسيحية لتتلاءم مع هذه القيم وليس العكس، ومن هنا صار الغرب - كما يقول محمد اقبال- اكبر عقبة في سبيل الرقي الاخلاقي للانسانية.
ونحن نلاحظ هنا توافق الدكتور سحبان خليفات والقاضي عبدالجبار المعتزلي في أن روما اختطفت المسيحية اختطافاً وطبعتها بطابعها, أو بأن المسيحية «تروّمت» ولم تتمسح روما اذا صح التعبير.
ثم إننا لا نعدو في وقفتنا هذه كوننا نتوسم جانباً من جوانب, وقطعة من نسيج, وقبساً من انوار.
فرحم الله سبحانه سحباناً, كفاء ما كان عليه من اخلاص, وجزاء ما قدّم لأمته وثقافتها, وعسى أن نوفق في فهم تراثه وفي حسن بسط افكاره, فذلك هو أضعف الايمان فيما يتقضيه العلم وتقتضيه الصداقة على حد سواء.

الاحد 2012-10-21