عبد الرحمن محمود توفيق جرار

مستشار التربية الخاصة

العنف Violence  هو مجموعة من الممارسات السلوكية المؤذية نفسيا أو جسديا والتي يلحقها الانسان منفردا كان أو في جماعة بمن حوله من اشخاص أو تخريب لممتلكاتهم مخالفا بذلك القيم السائدة في المجتمع. ويتمثل العنف الجسدي في سلوكيات  القتل ، والضرب ، والركل ، والصفع ، والدفع، والاغتصاب ، والقتال في السلاح ، واستخدام الالات الحادة ، والتحرش الجنسي.  في حين يظهر العنف النفسي على هيئة سلوكيات مثل الرفض من قبل الاخرين ، وإيذاء مشاعر الطرف الآخر وتجاهلها ، والحط من قدر الاخرين ، والاستغلال ، والابتزاز . وغالبا ما يصاحب العنف الجسدي والنفسي عنفاً لفظياً يظهر من خلال الكلمات والعبارات التي يُقصد منها اهانة الآخر وتحقيره وتهديده .
يرى المحللون النفسيون أن هناك عدة أسباب تؤدي الى العنف بين الأفراد وقد تنوعت هذه الأسباب بتنوع المنطلقات النظرية التي ينتمي إليها هؤلاء المحللون ومن هذه الاسباب:
-    العنف سلوك متعلم:  فالفرد يصبح عدوانيا من خلال الملاحظة ، ووجود نموذج عدواني يتم تقليده سواء كان هذا النموذج انسان أو شخصية تلفزيونية أو بطلا في رواية . اضافة الى أن الأفراد ينزعون إلى العنف إذا تبين لهم أن العنف يعود عليهم بتعزيز خارجي ايجابي (الحصول على الشيئ المرغوب فيه) او بتعزيز خارجي سلبي (معاناة الضحية او رضوخها للمعتدي ) او بتعزيز ذاتي (الشعور بالفَخار والثقة بالنفس). ويرى أنصار هذا الاتجاه ان العنف هو نتاج البيئة المحيطة بالفرد أي مجموعة الأحداث الواقعية التي يعيشها الفرد وتحيط به وتؤثر فيه ويؤثر فيها. فعلاقة الفرد مع البيئة علاقة متبادلة باتجاهين لا باتجاه واحد. فإذا أخذنا العنف الطلابي في الجامعات كمثال فقد أشارت احدى الدراسات إلى مجموعة من العوامل المحيطة بالطلبة والتي يتأثرون بها بشكل مستمر والتي ساهمت بشكل أو بآخر في احداث ظاهرة العنف وتفاقمها وكانت هذه العوامل مرتبة حسب درجة مساهمتها كالتالي : رفاق السوء والشللية ، انتشار ظاهرة الواسطة ، العصبية القبلية وسيطرة الثقافة العشائرية ، علاقة الشباب بالفتيات ، التسرع وغياب لغة الحوار ، عدم استغلال وقت الفراغ إيجابيا التحرش بالجنس الآخر من قبل الطلاب، قبول الطلاب غير المؤهلين ، عدم تطبيق القوانين والتعليميات بعدالة ، ضعف الدور الارشادي ، التنشئة الاسرية السيئة ، تأخر البت في نتائج التحقيقات بالأحداث والقضايا الطلابية ، تقديم الولاء للمنطقة الضيقة على الولاء للدولة ، تحيز المدرسين لبعض فئات الطلبة ، كثرة الطلاب والازدحام في الكليات والمرافق ، الإحباط بسبب البطالة المُنتظرة بعد التخرج وتحديدا عند ذوي التخصصات الراكدة ، الضغط النفسي بسبب الأحداث العالمية المحيطة.
-    التفكير اللاعقلاني: ترى وجهة النظر هذه أن العنف نتاجا للأفكار اللاعقلانية والأفكار السلبية التي يوظفها الفرد عند تفسيره للمواقف المثيرة للعنف بمعنى أن المشكلة تكمن اساساً في كيفية تفسير الفرد للمواقف التي تحدث معه وليس في الموقف نفسه. فالفرد لديه استعدادات فطرية للتفكير المنطقي ولديه القدرة على ضبط الذات وتحقيق الذات، وإن الفرد يتأثر وبخاصة في مرحلة الطفولة المبكرة بأفراد أسرته ورفاقه وبمجتمعه بشكل عام ، اضافة إلى أن الأفكار والمشاعر والأفعال لا تحدث بمعزل عن بعضها البعض بل أنها تتفاعل فيما بينها . وأن سبب الاضطرابات الانفعالية جميعها هو التفكير اللامنطقي أو اللاعقلاني ، فالمشكلة ليست بخبرات الفرد ولكن المشكلة تكمن بمعنى هذه الخبرات بالنسبة له، وأن الانسان يصنع عالمه بيديه ، فهو المسؤول عن المشكلة التي يعاني منها.
-    الشعور بالنقص والإحباط : يعتقد بعض علماء النفس أن العنف سلوك غريزي يُستخدم كوسيلة للسيطرة والتعويض عن النقص فالفرد الذي يشعر بنقصه في مجال ما يمكن أن يدافع عن ذاته بتبنيه لسلوك يغطي به نقصه . إضافة إلى أن العنف غريزة فطرية يحدث عندما يشعر الفرد بالإحباط  Frustration بسبب عدم تمكنه من اشباع دوافعه  والوصول إلى أهدافه بسبب وجود بعض العقبات والتي يحاول الفرد التغلب عليها من خلال الاعتداء على الآخرين. وعندما لا يتمكن الفرد من توجيه العنف نحو المصدر الأصلي للإحباط فانه يلجأ الى توجيه العنف نحو مصدر آخر له علاقة مباشرة أو رمزية بالمصدر الأصلي ، وعندها يسمى هذا العنف عنفا مُزاحاً Displacement  . وتُعرف هذه الظاهرة بظاهرة كبش الفداء . فالمعلم الذي يُحبط من قبل المدير يوجه عنفه نحو الطلاب لأنه لا يستطيع ان يعتدي على المدير. والزوج الذي يُحبط من قبل زوجته يقسو على أطفاله. فإذا فشل الفرد في ازاحة العنف على الآخرين اتجه عنفه نحو ذاته (يجرح نفسه ، يضرب رأسه ، يضرب الأشياء بيده ).
إن العنف سلوك مُدان ومرفوض ، إلا أنه وفي بعض المجتمعات يصبح «سلوكا مبرراً وشرعيا» ويتم استبدال مصطلح العنف بمصطلحات أخرى مُقنِعة للجماعة وللشخص المعتدي الذي ينتمي اليها بأن ما حدث ليس عنفا بل دفاعا عن النفس وتأكيدا للذات. بناء على التفسير السابق فقد تحوَّل العنف من مسؤولية فردية إلى مسؤولية جماعية لأنه تم اضفاء صفة الشرعية عليه من قبل الجماعة لذا فمن الطبيعي أن يلوذ المعتدي الى الجماعة باعتبارها مرجعيته وحِصنِه المنيع وفي المقابل فالجماعة سوف تدعم وتؤازر المعتدي باعتباره يمثلها وينتمي إليها.
ولا يتوقف الحد في اضفاء صفة الشرعية على العنف من قبل الجماعة وحسب بل أن السُلطة تشارك أيضا في مثل هذه الشرعية سواء عن قصد أو من غير قصد فغياب سُلطة تدعم مطالب الضحية وتعيد له حقوقه يعد بمثابة اقرار من هذه السلطة بشرعنة العنف والسماح للمعتدي بتكرار فعلته والتمادي فيها، وهذا تسامح مع سلوك العنف ضد الضحية ، وهذا هو «عنف الإذعان ، أي الاستسلام غير المباشر لشرعية العنف ، وهذا يجعل الضحية ينسحب من الجماعة ويفقد ثقته بها وفي السلطة.
يتم تبرير العنف أحيانا من قبل المعتدين على اعتبار أن سلوكيات الضحية كانت سببا كافيا للاعتداء ، فمثلا النساء المعنفات قد يصنفن على أنهن مصابات بوسواس المرض، وعاجزات ، وهستيريات، وهذا يُشَرِع للبعض عدم التدخل العلاجي معهن ، وعدم قيام المؤسسات المعنية بواجبها المهني ويقال ان المرأة المُعَنفة هي مصدر المشكلة وليس المعتدي ؛ بمعنى أن السلوكيات التي صدرت عن المرأة هي التي بَرَّرَرَت للمعتدي فعلته ، وفي الحقيقة إن ما تم هو اضفاء لصفة الشرعية على السلوك العدواني وعلى من يقوم بممارسة الاعتداء وفي ذلك انقلاب على معايير المنطق ومواد القانون والتي يُفترض ان يحتكم اليها الجميع.
مقترحات علاجية
-    دور الاسرة : يجب تفعيل دور الاسرة في تنشئة الأبناء منذ الصغر من خلال حملات توعوية للأمهات والآباء تركز على تجنب الممارسات الخاطئة في تنشئة الأطفال مثل التسامح الزائد معهم ، و استخدام العقاب الشديد ، و تعريضهم لنماذج عدوانية ، بل على الأسرة أن تعمل على تقديم طرق بديلة لأطفالها للتخلص من الغضب ، وحثهم على التعامل مع الجنس الآخر ضمن ما هو مسموح ، اضافة الى ضرورة أن يتعلم الاباء والأمهات استراتيجية « تقويض الدفاعات « بمعنى ألا تترك الطفل يبرر أعمال العنف التي يرتكبها ضد الآخرين ويتجنب تحمل المسؤولية باستخدام اعذار مثل : « إن الجميع يفعل ذلك « « هو الذي نظر الي في البداية « « هو شخص يستحق الضرب» « جميع الطلاب يكرهونه ويتمنون التخلص منه»  .
 
ab _ jarrar@yahoo.com

السبت 2013-06-22