سامح محاريق: كانت فكرة الهجرة من مكة قائمة منذ المراحل الأولى للدعوة الإسلامية، في حقبتها العلنية، وتوجه نفر من المسلمون الأوائل إلى الحبشة، وكان لجوؤهم إلى ملكها النجاشي مأمنا لهم من مطاردة قريش.
  لم تنجح قريش في استعادة المهاجرين على الرغم من محاولات الوقيعة بين النجاشي وبين المسلمين الأوائل من حيث وجهة نظر الإسلام إلى السيد المسيح، وينم ذلك عن ضيق أفق في قريش، فالمسيحيون في تلك المرحلة وعلى الرغم من اتفاقهم على تصور لاهوتي للسيد المسيح، كان مثقفوهم ونخبتهم يعرفون تاريخية الجدالات القديمة حول طبيعة المسيح، ويعرفون أن المسلمين، ومهما بدوا بعيدين عن التصور الرسمي، يبقون أقرب بكثير من شتات القبائل العربية في هذه المسألة، وخاصة قريش التي كانت القبيلة الأساسية في النظام الديني العربي قبل الإسلام.
  وصل  مضمون  الرسالة، إلى بعض القرشيين بأن الدعوة الإسلامية تتجاوز مجتمعهم الضيق، وأنها لن تتوقف عند كل محاولاتهم للتضييق والمطاردة، فالوفود من مختلف القبائل بدأت تقصد مكة للتعرف على المقولات الأساسية للدعوة الإسلامية، ولذلك توجهت قريش للتخلص من النبي عن طريق اغتياله، وبقيت أمامها عقبة رد الفعل الذي يمكن أن يتخذه الهاشميون، وأتت فكرة أن يتوزع دمه بين القبائل، بحيث يشترك في عملية القتل واحد من كل بطون قريش، ومن القبائل الحليفة، فتجد هاشم نفسها مضطرة للمصالحة لأنها لن تستطيع أن تواجه منفردة هذا الحلف القبلي الواسع، بينما لو أقدم أي من البطون، ومهما كانت قوته وسطوته، على عملية الاغتيال منفردا، لكان ذلك يعني أن يفتح على نفسه أبواب الجحيم وفق العادات القبلية القائمة.
الاغتيال كان الحل الأخير، بعد أن فشلت آليات الحصار والتجويع في إثناء النبي وصحابته عن الدعوة، وبعد أن فشلت حلول الاحتواء والإغراء، ومنها إعلان النبي ملكا على قريش،  وكانت صلابة هذه المجموعة من المسلمين الأوائل هي الدافع الأساسي لمزيد من المسلمين الذي أخذوا يتوافدون إلى مكة، وفي الليلة التي كان يفترض أن يجري فيها تنفيذ الاغتيال، وبفارق لا يتجاوز الثانية الواحدة، كان مجرموا قريش يرفعون الغطاء ليصدمهم وجود ابن عم النبي، علي بن أبي طالب، مكانه في الفراش، بينما كانت رحلة الهجرة النبوية تنطلق باتجاه يثرب، المدينة التي تتوزع بين قبيلتي الأوس والخزرج المتنافستين تاريخيا، والمنهكتين في منافسة شبيهة بالتي تجري في مكة.
  كانت يثرب أحد مراكز تواجد اليهود في الجزيرة العربية، وكان النبي يدرك أن المهمة لن تكون سهلة في يثرب، فهي مدينة حافلة بالتناقضات والصراع شأن مكة، وهي مطمع للقبائل العربية الأخرى، ولكنها في المقابل تصلح لأن تكون مركزا للدعوة، وهي الأولوية التي يضعها النبي قبل أي شيء، فمن ناحية تأمين جماعة الإسلام كان يمكن للنبي أن يهاجر إلى أحد القبائل الكبرى في وسط الجزيرة، ولكن ذلك لم يكن ليوفر للمسلمين العمق المطلوب من أجل التواصل مع القبائل الأخرى في الجزيرةز.
 النبي كان يريد أن يواصل الدعوة إلى النهاية، ولم تكن المصاعب التي نشرتها قريش في طريقه لتثنيه عن التقدم نحو تلك الغاية، ولذلك كان التوجه إلى يثرب النقطة الفاصلة في تاريخ الدعوة الإسلامية لأنه أخرجها من ضيق المعادلات القائمة في مكة، إلى سعة الأفق الذي توفره يثرب بموقع أكثر انفتاحا على العالم خارج الجزيرة، ولكن هذه النقلة كانت تطرح العديد من الصعوبات وتنقل الصراع مع قريش وحلفائها من الاضطهاد إلى المواجهة المسلحة متعددة المراحل، وكذلك وضع الإسلام أمام جملة جديدة من التحديات لم تجعله شأنا يخص القبائل العربية وتوازناتها، وإنما يدفعه إلى أن يتقدم على مسرح الحدث العالمي بصورة تعد إعجازية في حد ذاتها.

 اضاءات
يثـــــرب

الاسم القديم للمدينة المنورة، وهو اسم أحد قادة قبيلة عبيل التي استوطنت المدينة في العصور القديمة، ووردت التسمية في العديد من المراجع التاريخية القديمة، ومن المرجح أن عمرها يصل إلى نحو ثلاثة آلاف عام، وتقع المدينة في وسط الحجاز شمال مدينة مكة بنحو 500 كيلومتر، وكانت المدينة أرضا لصراع متواصل نتيجة موقعها الخصب ووجود أسس الحياة الحضرية في محيطها.
بعد انهيار سد مأرب في اليمن بدأت الهجرات من قبل بطون قبيلة الأزد، لتستقر كل من الأوس والخزرج في يثرب، واستمرت حالة التعايش بين اليهود والقبائل اليمنية في تركيبة نشأت عن استغلال القبائل اليهودية للصراع بين الأوس والخزرج والعمل على إذكائه بصورة متواصلة، ولكن وجود اليهود في المقابل، جعل أهل يثرب يتقبلون أكثر من غيرهم فكرة وجود الدين الإلهي التوحيدي، الذي تشككت منه سائر القبائل العربية، وبذلك كانت القبيلتين، على الرغم من الاختلاف بينهما، مجمعتين على مناصرة النبي والمسلمين المهاجرين من مكة.
 وبعد الهجرة النبوية تغير اسم يثرب لتصبح مدينة رسول الله، والمدينة المنورة، وطيبة، وأصبحت المدينة عاصمة الدولة الإسلامية في عصر الخلافة الراشدة قبل أن يقوم الإمام علي بن أبي طالب بنقل مقر خلافته إلى الكوفة، ومن ثم تصبح دمشق العاصمة للخلافة الأموية، إلا أن المدينة المنورة بقيت تكتسب أهمية كبرى لدى المسملين من الناحية الدينية بوصفها أرض ثاني الحرمين الشريفين.

الخميس 2013-07-18