سامح المحاريق ..

smahariq@gmail.com

الإنسان باحثا عن جذوره وآفاقه

علم النفس مدخل ذو معنى

كثيرة هي الكتب التي تتحدث عن علم النفس، أو يصنفها القراء أنها ذات علاقة بعلم النفس، أو السلوك النفسي، أو المتاعب النفسية، التي تخص الإنسان، وعادة ما تتوزع الكتب التي تصنف على أنها تتناول موضوعات نفسية إلى نمطين، الأول، هو النمط الأكاديمي الذي يحتاج إلى مجاهدة كبيرة في قراءته، وخاصة من غير المختصين، أو حتى من الطلبة الذين يبدأون في دراسة علم النفس بوصفه تخصصهم الجامعي، أو مادة ضرورية لدراسة علوم أخرى، وخاصة العلوم الإنسانية، وهذا النمط عادة ما يفترض وجود أرضية من المعرفة لدى القراء أو الطلبة بالموضوع الذي يتطرق له، وقدرة على فهم بعض المصطلحات التي تنتمي إلى حقل الدراسات الخاصة بعلم النفس، أو التي يجري استعارتها من علوم أخرى،  أما النمط الثاني، فهو الكتب التي تتمسح بعلم النفس، وتدعي أحيانا أنها تنتمي إلى مبحث تطوير الشخصية، وهو أقرب إلى أشباه العلوم، أو العلوم الزائفة، وهي تتحدث عن مجموعة من الموضوعات التي تشغل الناس في حياتهم اليومية، وفي تعاملهم مع الآخرين، مثل الضغوط النفسية، ومشكلات العمل، وتصنيف الشخصيات، والقلق والتوتر، وهذه الكتب في معظمها تأتي في لغة سهلة وجذابة، ويسهب بعضها ليصل إلى حدود الثرثرة المسلية، ولكنها تبقى بدون قيمة علمية حقيقية، وليست على أي حال وسيلة للدعم النفسي الحقيقي والذي يمكنه أن يقدم الكثير والفعلي للقراء، ولعل بعضا من الأساليب التي تطرح في هذه الكتب يمكن أن تأتي بآثار ايجابية سريعة، على أساس استثمارها لنصائح عامة بأسلوب جذاب، ولكنها يمكن في النهاية أن تؤدي إلى انتكاسات خطيرة، وما يسترعي الانتباه أن هذه النوعية من الكتب عادة ما تحظى بإقبال كبير من القراء، ويعتبرها البعض ذات مرجعية وقيمة بالنسبة له، وهي بعيدة عن ذلك إلى حد كبير.
كتاب «علم النفس.. مدخل ذو معنى» للدكتور في الجامعة الأردنية أحمد يحيى الزق، يتمكن من تقديم حل للمعادلة التي طرحت سابقا، فهو لا يدخل في موضوعات علم النفس دون تمهيد لمجموعة من الأرضيات التي يمكن للقارئ الوقوف عليها والتدرج من خلال عبر فصول الكتاب، فيبدأ أولا من نشأة علم النفس، والمدارس الأساسية التي تشكلت في الدراسات المتعلقة به، والكيفية التي تبلورت بها شروط تشكله كعلم، ومنها خصائصه وأهدافه ومنهجه ونماذجه، ومن ثم ينتقل لنبذة عن الأسس البيولوجية (الحيوية) لعلم النفس، فيقدم تعريفا بالخلايا العصبية وتكوينها ووظائفها، ويعرض للجهاز العصبي بشكل عام، وكذلك الجهاز الغددي الذي يؤثر بصورة بالغة على السلوك والشخصية، وينتقل بعد ذلك إلى مجال علم قضايا النمو في علم النفس، ويناقش العوامل البيئية والبيولوجية (ومنها الوراثية) في مسألة النمو، وكيفية التفاعل بين هذه العوامل بما يؤثر على البنية النفسية للإنسان، وضمن ذلك يناقش النمو المعرفي بجوانبه المتعلقة باللغة والقيم،  وكذلك التأثير الاجتماعي على النمو النفسي للطفل.
يمضي الكتاب بعد ذلك في دراسة جملة من القضايا المتعلقة بعلم النفس، ومنها مفهوم التعلم، والنظريات المرتبطة به، وينتقل بعد ذلك إلى مناقشة الذاكرة، والآليات التي يقوم من خلال الدماغ باستقبال وترميز وتخزين واسترجاع المعلومات، وبناء على ذلك يتقدم نحو مناقشة موضوع الذكاء، ويناقش بعضا من المفاهيم المرتبطة به، وفي الفصل المتعلق بالذكاء يقوم مجموعة من الأفكار المغلوطة حول الذكاء، وحول المقاييس المتبعة لتحديده، ويكشف مدى الخلط المرتبط به في أذهان الكثيرين، أو الأغلبية، ربما المطلقة، ويتابع الكتاب تناوله للقضايا النفسية المختلفة، فيناقش نظريات الدافعية وأثرها على السلوكيات التي يتخذها الغنسان، موضحا علاقة الحاجات بالرغبات بالإمكانيات بالصراعات التي تجري على المستوى النفسي وتكون سببا للعديد من المشاكل النفسية التي تنعكس على سلوك الفرد ونظرته لنفسه وللحياة من حوله، وينتقل تاليا إلى موضوع الشخصية، وهو من أكثر الموضوعات التي تهم القراء حسب تفضيلاتهم للكتب التي تتناول القضايا النفسية، وتتناول الفصول التالية موضوعات الاضطرابات النفسية، وتعريف السلوكيات غير السوية، وتصنيفها وتفسيرها، ومنها اضطرابات القلق والمزاج والفصام والانفصال، والعلاج النفسي ومداخله المعرفية والسلوكية والإنسانية والجمعية والطبية، مع تقييم للعلاج النفسي، وأخيرا يعرج الكتاب على علم النفس الاجتماعي وأثر البيئة العامة في السلوك من خلال عمليات التأثر بالمحيط العام وعلاقاته.
الكتاب بالتأكيد ليس من الفئة الثانية، ولكنه كتاب حرص أن يكون مقدمة دسمة دون تكلف أو تزيد أو تعقيد، ليسهم في مساعدة كل من الطلبة الذين يتوجهون لدراسة علم النفس، والقراء المهتمين ببناء ثقافة شخصية في هذا المجال، للدخول نحو موضوعات أكثر تعقيدا، كما أن الكتاب يتعامل بموضوعية مع حدود علم النفس وإمكانياته، دون أن يحاول، شأن كثير من الكتب، أن يدعي لهذا العلم دورا أوسع وأكبر من دوره الحقيقي، ويرى أنه علم ما زال في مرحلة التطور، وإن كان شهد العديد من المحاولات والإسهامات المهمة والتي جعلته ينتقل من خانة الفنون، أو من مجرد فرع ضمن الدراسات الفلسفية، إلى علم حديث يلتقي مع العلم الإنسانية والطبيعية الأخرى، ويقوم بصوغ مبادئ عامة مرتكنا على مجموعة من الدراسات التي تجري وفق مناهج منضبطة.
الدكتور أحمد يحيى الزق، حاصل على الدكتوراه من جامعة برمنجعام البريطانية، والماجستير والبكالريوس من الجامعة الأردنية،   وسبق له الحصول على جائزة عبد الحميد شومان للباحثين العرب الشبان في مجال العلوم النفسية والتربوية.

مايكل راميرز... الاستثناء على الاستثناء

يطرح إبداع رسام الكاريكاتير الأمريكي، المولود في طوكيو سنة 1961، إشكالية مهمة، وهي تبني وجهة نظر المحافظين التي تأتي عادة في عكس الاتجاه العام للأمريكيين من الطبقات الفقيرة والوسطى، وبذلك يكون الفن متخليا من حيث المبدأ عن أحد أهدافه التي تجعله ممثلا عن الجموع العريضة من الناس، ولكن هناك العديد من الأمثلة التي كان فيها الفنان المبدع بعيدا عن التيار العام للمجتمع، ويمكن أن الرسم نفسه هو أحد أبعد الفنون عن الجمهور العام، ولم يتشكل خط قريب من المتلقين سوى في فن الكاريكاتير، وراميرز يشكل الاستثناء على الاستثناء، الأغلبية يعجبون بأعماله من الناحية الفنية،  ولكن قلة يتفقون مع آرائه، وربما لا يمكن أن يعتبر راميرز مثقفا سياسيا أيضا، فهو في العادة يعبر عن تيار سياسي، يتولى صياغة مواقفه في الفن، ولكن تبقى مسألة أنه أحد أبرز رسامي الكاريكاتير الأمريكيين المعاصرين غير قابلة لكثير من النقاش.
سبق لراميرز الذي بدأ حياته المهنية في مجلة صغيرة تدعى كوميرشال أبيل في مدينة ممفيس أن حصل على جائرة بوليتزر الأرفع في الصحافة الأمريكية في عامي 1994 و 2008، وهو ما أتاح له فرصة عرض رسوماته الكاريكاتيرية في العديد من المواقع الإعلامية الكبرى مثل سي ان ان وبي بي سي وفوكس نيوز، وكذلك صحف ومجلات واسعة الانتشار والتأثير مثل التايمز ونيويورك تايمز وواشنطن بوست.
في كثير من لوحاته التجني والدعوة إلى الحرب، وتبدي أعماله أيضا عدم التعاطف مع الفقراء، خاصة في الرسومات التي تتناول نقدا عنيفا لسياسات الديمقراطيين التي تحاول تحقيق التوازن بين الطبقات الثرية والفقيرة في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يجعل السؤال حول دور الفن في المجتمع ملحا وضروريا، فهل يمكن أن يعتبر راميرز فنانا أم أنه مجرد تقني متمكن من فنون الرسم ومبدع في اختيار أساليبه في توصيل أفكاره السياسية عبر الكاريكاتير، وعدا عن السخرية اللاذعة التي تظهر في لوحاته، فإنه يعتبر على الصدمة في الفكرة السياسية التي يحملها، وكأنه يرسم بنفس تحريضي، كما يستخدم أسلوبا يعتمد على التباين في الأحجام بين رموز لوحاته في نبرة تعبوية واضحة، وتضخيم لمبادئه السياسية في مواجهة الأفكار المواجهة، معبرا بأقصى ما يستطيع عن شعور التفوق الذي يحمله في داخله، أو يروجه لمصلحة غيره، كما وتظهر عنايته بالأسلحة واللمحات العسكرية في لوحاته، مع تمجيد للرموز الأمريكية خاصة التي تشكل تلاقيا مع معاني القوة، مثل النسر الأمريكي، في مواجهة صورة تهكمية لرموز أخرى، كتمثال الحرية.

تلمود العم سام

منذ أن وصلت، بالخطأ، سفينة الإيطالي كريستوفر كولومبوس، وكان يعمل مرتزقا لدى ملك أسبانيا، إلى سواحل أمريكا الشمالية، دارت مذبحة كبيرة ربما تعد من أسوأ مما جرى على امتداد تاريخ الإنسانية باستثناء ما قام به القائد المغولي جانكيز خان، فهذه المذبحة التي تعددت فصولها، وتبدلت أعلام القائمين عليها، أدت إلى إبادة شعوب بأكملها، وهي شعوب لم تبادر الأسبان، ولا ورثتهم من البريطانيين، بأي عداء أو عنف، وأمام هذه المذبحة العنيفة والطويلة كان كثيرون يحاولون أن يضعوا مبررا أخلاقيا يبيح لهم مواصلة الإبادة، فكانت التفسيرات العنصرية التي ترى في الهنود الحمر كائنات أقل شأنا من الإنسان، وأن على المستعمرين الأوروبيين الحصول على أرضهم من أجل مصلحة الإنسانية، وكانت التفسيرات الدينية التي اعتبرت الأرض الأمريكية بمثابة أورشليم جديدة حيث يمكن للعالم أن يبدأ الحياة من جديد متطهرا من رجس حياته السابقة في أوروبا وغيرها من بقاع العالم القديم، ولكن أصحاب هذه النظرية لم يجدوا غضاضة أيضا في ممارسة القتل بصورة منظمة ووحشية في الوقت نفسه، ومع تطور المجتمع الأمريكي أخذت هذه المجموعات الصغيرة تشكل تيارات دينية جديدة، فكانت تبحث في العهد القديم عن قيم مختلفة عن تلك التي سادت في أوروبا، قيم تقدس الفرد والتملك والسيطرة والقوة والنفوذ، وكان طبيعيا أن توجد ضمنها تأثيرات كالتي تشكلت لدى اليهود في فترات السبي والعزلة، فكانوا يتصورون أن مهمتهم تأتي في انتظار الخلاص في العالم الجديد الذي يبنونه، ويحاولون أن يقدموا تفسيرات مغايرة للعهد القديم بما يجعلم يشرعنون أعمالهم على الأراضي التي أخذت تعرف فيما بعد بالولايات المتحدة الأمريكية.
هذه القضايا شغلت الكثير من الباحثين والمؤرخين الأمريكيين، والعرب كذلك، وتزايد الاهتمام بها أثناء فترة رئاسة جورج بوش الإبن الذي كان متأثرا للغاية بهذه التصورات، وأسيرا لها في كثير من مواقفه، وعلى الأقل، كان يحاول ترضية المتعصبين لهذه الأفكار بين بعض الطوائف المتدينة في الولايات المتحدة، ولعل الكتاب الذي يقدمه الباحث منير العكش يقدم تصورا حول هذه الأفكار المؤسسة في المعتقدات السائدة لدى الأمريكيين، ويراها عميقة الصلة بتقبل الأمريكيين للتصرفات الاسرائيلية التي جرت بعد ذلك في حق أهالي فلسطين، وتفهمهم لعملية انتزاعهم من أرضهم، على أساس أنهم مروا بتجربة مشابهة مع الهنود الحمر ووجدوا المبرر الأخلاقي الذي اقتنصوه من التلمود الذي أتى ليركز على حق اليهود في ممارسة العنف ضد الآخرين بناء على تصورهم الخاص للخلاص والنجاة من العالم، وحفل بالعديد من القصص التي مجدت العنف واعتبرته أمرا طبيعيا طالما أنه يمارس من اليهود المختارين، مثلما يعتقد الأمريكيون في أنفسهم، ضد بقية العالم بمختلف أجناسه.

السبت 2013-11-30