كما تحمل الجغرافيا صفاتها وتكوينها ومكانها وأحداثها، فإن للزمان أيضاً أحواله ورمزياته التي تشي بأهمية المكان وحضوره الإنساني، ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل على جميع الصعد الاجتماعية والنفسية والثقافية والمثيولوجية والحضارية، ومن تلك الرمزيات ما صنع التاريخ على ضفتي نهر الأردن من تاريخ لم يترك أثره على المنطقة، بل أفاء بظلال الرحمة على العالم أجمع، فكان المكان شرفة الأرض للسماء ونافذتها لمعراج الحلم والأمنيات والدعاء والصلاة.
ففي هذه المنطقة التي تقع على ضفتي نهر الأردن، تكمن سرة الأرض وأسرارها، ويقع قلب الكون وجناحي العالم وكبد الوجود، وفي هذا الفضاء هبطت الرسالات، وكانت البشارة والنخلة شاهدة، وكان السلام والمحبة، وكان الاستقرار الأول على ضلع النهر المقدس عبادة.
وكانت اللثغة الأولى والنص الأول للبشر، وكان رسم الحرف الأول مطرزاً في سلم الأبجدية مستعاراً من طيبة القمح ورقة الماء ولون السماء، فكانت القصيدة والترانيم ترتعش على ترددات أوتار القلب، وكان تدجين الزراعة والكائنات الوحشية التي تأنسنت بالكلام الجميل والحكمة، وكان الماء الذي طهر الجسد والنفس، فكان المكان مرآة الإنسان وسر الأسرار.
ومن حسن الطالع أن تأتي زيارة الحبر الأعظم متزامنة مع عيد الاستقلال، بما يحمل ذلك اليوم من اختزال لمعنى الارتباط بين التاريخ والجغرافيا، ويعبر عن توق الإنسان للحرية والانعتاق وتضحيات قدمها أبناء المكان على مذبح الحرية، وتحديداً في المكان الذي يجاور المغطس، وما تحمَّل الناس من ألم على صليب المكان.
وتأتي الزيارة والقدس (مدينة السلام)، تسبل وجعها على الوجع وهي تعاني من الأسر، ومهبط الرسالات، والحكايات المشرقية وأحاديث الروح، والإسراء والمعراج، وقيم المحبة والرحمة والتسامح، تعاني من جور وقهر وألم لا يخلو مما ترك تاريخ الصراع من ندوب وجراحات ما تزال مفتوحة على الصراخ، وثمة ظالم يزهو بظلمه، وآخر كسير مظلوم ينكأ الجراح على الجراح.
تأتي زيارة البابا لتخفف رمزياً من عذابات الناس في منطقة تقع تحت موجة من الأحداث التي تمزق جسدها وتنهش عقلها وتأكل كبدها من داخلها بما تمزق الناس مللاً ونحلاً بين الجهات والأهواء والأنواء، وفي مرحلة نبتت فيها أشوك الشر وطوقت أجساد الناس، وجرحت كل شيء جميل في صورة الإنسان.
زيارة قداسة البابا للأردن ينبغي ألا تقف عند رمزيات الحدث، بل يجب أن تؤكد أن هذه المنطقة هي بستان الكون ورئته التي يتنفس منها الهواء والحرية والحق، وهي نافذة السماء وشرفتها، وفي ربوعها نبتت ورود الرسالات وإليها ينتهي حج العالمين، ففيها الرحمة والمحبة والتسامح، وينبغي أن تبقى واحة سلام.