سمر الزعبي - لم تجذبني تلك الحكاية التي تصدّرت جلستنا, بطلها أستاذ في مدرسة خاصة، أعزب، غير اجتماعي, يقضي معظم أيامه بين حيطان بيته المستأجَر في عمّان، فيما ينطلق للشمال زائراً أهله كل شهر مرة واحدة.
ربّما تأففتُ سراً، وبالأخص بعدما نصحني أحدهم بكتابتها, وتواترَ التأكيدُ على ألسنة الباقين. فما الملفت في رجلٍ انعزاليّ كي أكتبَ عنه! رغم ذلك تصورت جزءاً من يومياته وهو يدخل الصف متأبطاً كرّاسه، شاداً ربطة عنقه، يتلمّسها كلما تواصل مع المحيطين.
بسردهم لمع زجاج نظارته المربعة ذات الإطار الأسود والعدستين الكبيرتين, التي يقربها من عينيه لمّا يصححُ الأوراق, ثم يبعدها ممسكاً إياها بإبهام وسبابة.
تخيّلته يتمشى بين الأدراج حينما يقفُ أحدهم لقراءة الدرس, يلوي يديهِ وراء ظهره، يربطُ كفيهِ بعضهما ببعض, يقتربُ كي يصحح الخطأ وإبهامه والسبابة تلوّحان بالنظارة ذهاباً وإياباً. كلما قرّب وجهه نفر الآخر من رائحة فمهِ التي لم يحتملها أحدٌ يوماً. لم ينتبه إلاّ في وقتٍ متأخر أنّ لديه ضعفاً بالسمع يجعلهُ يلتصقُ بالآخرين كي يتمكن من فهم ما يقولون.
بروازٌ وحيد في صالة الجلوس يستحوذ على اهتمامه, يؤطرُ صورةً لوالدته المتوفاة.. يعدله فور استيقاظه وكلما تحرك بالغرفة؛ يصنعُ الشاي، أو يفتح التلفاز، أو يصلح الأوراق.. عادةٌ تلهيه عن كل ما يفتقد؛ تأمَّلهُ, عَدّلهُ وعدّله.. كأنهُ ينتظرُ منها أن تخرج من البرواز لتعدّل مسار حياته.
مللتُ الاستماع, كيف تحمّل هذا الرجلُ حياته! أيّ جلدٍ لديه ليطيق نفسهُ, كلّ جهده لطلابه, مبدع, يحبونهُ, لا يهين أحداً, يشرحُ الدروس بضميرٍ عالٍ, حاصلٌ على شهادات تقدير للمعلم المتميز أكثر من مرة.. ولا شيء غير ذلك!
ما شأني وهذا الكلام كله, ما لي والزهور التي يزرعها أمام بيتهِ ويسقيها في أوقاتٍ منتظمة؟ كدت أقول للراوي: كفى، هو صاحبك اكتُبْ عنه, إن لم يألَف سواك وزميلاً آخر فماذا أفعلُ له؟ حتى علاقته بكما لم تتخطّ لقاءً وحيداً في المقهى بعد تسلّم الراتب بيوم.
لكنني سكتُّ لمّا تحدّث عن القطط, أصدقائه الفعليين الذين يلتقطهم جوعى في أي مكانٍ يصادفهم فيه، ولو فوق صفيحة النفايات, يؤويها أمام بيته حتى تخطى عددها الأربعين، فصنع لها بيتاً خشبياً، ومع الوقت شاركَتْها قطط الحارة طمعاً في المأكل الذي لا ينقطع، والرعاية الصحية والنفسية، إذ روّحَ عنها بتوفير علب التونا الفارغة والمعلبات الأخرى كي تلعب بها، ووضع لها مزلاجاً تتسابقُ في التزحلق عليه!
حينما يذهبُ للدوام تتركُ القطط ما بأيديها وتنطلقُ وراءه إلى بوابة الحيّ المضفية للشارع، حتى يستقل سيارة الأجرة. وبعد العصر تنتظره في المكان نفسه وتمشي وراءه في خطّ سيرٍ منتظمٍ كأنها جندٌ مدرَّبٌ.
ابتدأتُ أنسجم مع الأحداث، ففكرتُ أنهُ يتحتمُ عليّ الدخول في عوالمه النفسية، فأصف تعلّقه بالقطط، كأنْ تخطر على باله وهو في اجتماعٍ مع هيئة التدريس، أو أجسّد ضيقه لمّا غادر قبل أن يوفر لها الطعام لتأخّره عن الدوام مثلاً.
واردٌ أن أجعلهُ يسمّيها بأسماء الأشخاص المحببين إليه قبل وفاة والدته وزواج أبيه، أو ربما يطلق على أسمنها أو مفقوءة العين أو السوداء ملبدّة الشعر التي لا تسمحُ لهُ أن يُحمّمها، اسمَ زوجة أبيه التي طردتهُ من البيت لغرابةَ أطباعه. تخيلتُه ينادي القط الهزيل باسم والده، ذلك القطّ قليل الحيلة الذي تتداعى القططُ على القصعة وهو ملتفّ حول نفسه يمرطُ ذيله بأسنانه جوعاً, ثم يعرجُ إليها مُلقياً حملَ القدم المقطوعة على الباقيات كي يلحس ما تبقى، ثم يعودُ مكانهُ بصمت.
إنْ كتبتُ هذه الحكاية سأصف العلبَ المطبّقة، متّسخة الحواف التي يضعُ بها الطعام، وشعرهُ المنفوش الذي لا يكترث به، فيدجّنه بالبلسم أو «الكريم» عند الخروج، فكيف يبدو حالَ استيقاظهِ فاتحاً الباب وهو يرفعُ سروالهُ الواسع أعلى من مستوى خصره، يشدّ حزامه المطّاطيّ بأسنانه، بينما يمسك العلب التي نشف الطعامُ على حوافها، وتغيّر لونها ليضفي عليها مظهراً عتيقاً لا يمتّ للطعام الطازج الموضوع فيها بصلة.
تتجمع القطط بمقطوعة مواءٍ متّحدة اللحن، ممّا يغيظُ جارة عجوز تستيقظ قبل الشمس, وتتوسّد مدخل البيت قبل أن «تقمّع» الباميا والفاصولياء, فترشقهُ شتيمةَ ويبادلها بأخرى, فتطلُ جارة أخرى من النافذة تُسكته بدعوةٍ عليه فيختصر.. أو لا! هذا المشهد كله لا داعي له، فهو فظّ، والجيرانُ يتجنبونهُ.
لماذا سأكتب هذه الحكاية وأُتعبُ نفسي بتفاصيلها: البرواز والنظارة, عزلته, هيأته, قططه المدللات, فظاظتهُ.. لمذا نكتبُ أصلاَ؟
تأزّمت التفاصيل لمّا ماءت القطط طويلاً ذات صباح, تأخرتْ عليها أطباق الطعام, تواصلَ المواءُ حتى العصر, خربشت القطط الأبواب وخدشت النوافذ.. ثمَّ هدأت ثورتها مرةً واحدة، وتكورت في عجز.
بدا المشهد غريباً بعد أن كان لعبُ القطط ومواؤها اعتياديّاً, وبعد أن كانت طقطقتها للعلب وإسقاطها إياها ودحرجتها أمراً مألوفاً، كما هي حال غياب الأستاذ أيضاً, إذ لا يكادُ يُلمَح إلا صبيحة الدوام وبعد العصر وهو عائد، أو حينما يفتحُ الباب للأفواه.. حضورٌ لا يكادُ يفتقدهُ أحد.
بعد أيامٍ من سكون، جاء زميل يسألُ عن الأستاذ لتغيبٍ مقطوع النظير. لم يفتح لهُ أحد، فدار حول البيت, ومشت قطّةٌ أمامهُ وهي تخربشُ على النافذة, نظر منها, تأمّل النائمَ, طقطق على الزجاج.. ثم خلع الباب.
هذا أغربُ مما قد أصفه, لن أكتب هذه القصة, صعبٌ عليّ أن أصف مشي القطط في جنازته على خطّ موازٍ لسير الناس وصولاً للمقبرة, مختلفٌ ذلك المشهد الذي حامت فيه القططُ جماعاتٍ وفرادى حول قبره بعدما انقضت الجموعُ, وما تبقى إلا قلة يراقبون مواءً أبدع في التعبير عن الحزن والفقد أكثر من بني البشر. وما أدراني بعاطفة هذه الكائنات كي أحكيَ عنها. عدلتُ؛ لا لن أكتب هذه القصة أبداً!