تشير كل الاحداث والمتغيرات الداخلية العربية وبخاصة في الدول التي تجري فيها احداث ما سمي بالربيع العربي ، بان القضية الفلسطينية باتت تحتل البند الاخير في جدول اهتماماتها ، وذلك كنتيجة مباشرة للصراعات الداخلية العنيفة والانشغالات الشعبية بقضاياها الجديدة ، والمتابعة الدولية وبخاصة الغربية لها.
هذه الحال العربية الخطيرة سبق وان واجهتها القضية الفلسطينية بأكثر من مرحلة مهمة وحساسة، كانت الاولى في منتصف القرن الماضي وهي مرحلة مواجهة الاستعمار والسعي للاستقلال والتي ادت وساهمت في صنع النكبة الفلسطينية ، والثانية في العام 1982م حيث كانت العلاقات العربية العرببة آنذاك تمر باسوأ حالاتها ، والتي ادت لتبعثر الوجود الفدائي الفلسطيني بعيدا عن الحدود مع فلسطين كنتيجة مباشرة للاجتياح الاسرائيلي للبنان ، والثالثة بعد احداث سبتمبر 1991م والتي كادت ان تصنف الوجود والنضال الفلسطيني بالإرهابي ، واخراج المعادلة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية من الارقام الدولية ، واما الرابعة فهي هذه الحالة الصعبة والخطيرة التي اصبحت فيها القضية الفلسطينية ضمن اخر الاهتمامات العربية والدولية بشكل فاق الاخطار من المراحل السابقة ، بسبب ما اصطلح على تسميته الانقسام الفلسطيني الطارئ ، وهو المتغير الجديد فلسطينيا الذي مرر الكثير من المحاولات الإسرائيلية والمؤيدة لها لمحاولة شيطنة الشرعية الفلسطينية ، ومحاولة تمرير يهودية الدولة الاسرائيلية واباحة تهويد الارض الفلسطينية والاستيطان.
الحراك الفلسطيني لمواجهة كل المراحل الصعبة والخطرة التي المت بالقضية الفلسطينية دائما كان قويا ومتواصلا وراسخا ، الا انه وبهذه المرحلة اخد زخما قويا وابعادا اكثر لمواجهتها وللتقليل ما امكن من اثارها السلبية على مسار القضية الفلسطينية ، وقد جاء ذلك على صعيدين ومسارين متكاملين ، اولا، على الصعيد الفلسطيني الداخلي حيث الجهد الكبير المتواصل والدؤوب المبذول من القيادة الفلسطينية المستشعرة بضرورياتها لتحقيق المصالحة الفلسطينية ، وثانيا هو الحراك الدولي والجهد الكبير المبذول الذي يقوم به الرئيس محمود عباس شخصيا لإبقاء القضية الفلسطينية في دائرة اهتمامات جميع الدول والمؤسسات والامم المتحدة وافرعها المختلفة وفي مقدمتها مجلس الامن الدولي الذي هو وبضغط من بعض الدول غيبها عن جدول اعمال محادثاته مرات عديدة او ادار ظهره باحايين كثيرة لها ، او استخدم به حق الفيتو لتعطيل ابسط ما امكن الحصول عليه من القرارات لصالحها ، ومحاولة اعادة البوصلة الدولية لها.
لقد استطاع الرئيس عباس ان يحقق نجاحات واختراقات سياسية ودبلوماسية مهمة جدا على الصعيد الدولي بمساعدة ومساندة مباشرة من الاردن الشقيق بشكل خاص والمجموعة العربية في الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي من ابرزها حصول فلسطين على عضو مراقب في الامم المتحدة ورفع علم فلسطين في مقار الهيئات الدولية وقبول فلسطين عضوا في المحكمة الجنائية الدولية وما تزال جهود الرئيس متواصلة في هذا المجال.
وقد لعب الاردن الشقيق دورا بارزا على الساحتين السياسية والدبلوماسية الدولية في دعم واسناد القضية الفلسطينية حيث قاد جلالة الملك عبدالله الثاني الجهود السياسية والدبلوماسية في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية وعن المقدسات الاسلامية والمسيحية في مدينة القدس المحتلة وجسد الرعاية والوصاية الهاشمية التاريخية عليها وتمكن من الحفاظ عليها وحمايتها من دنس الاحتلال وهيأ الظروف للفلسطينيين للصلاة في المسجد الاقصى المبارك وما يزال الاردن الشقيق بقيادة جلالته الشجاعة والحكيمة المدافع الاول عن فلسطين وقدسها ومقدساتها في جميع المناسبات والظروف والاوقات.
رغم كل الظروف الدولية غير المواتية ، وبعضها غير المتفهم لقضيتنا ، والاخر غير المهتم ، واخر المعادي ، ورغم ظروف بعض الدول العربية المحيطة الملتهبة المتلهية او الملتهية بقضاياها الداخلية وخصوصياتها ، الا ان التنسيق ما زال وبأعلى درجاته مع الاشقاء العرب وبخاصة مع الأردن ومصر والدول المغاربية ودول الخليج العربي ، والتي جميعها ما تزال تبذل كل جهدها لدعم وتأييد الحراك الفلسطيني وخطواته ومطالبه ، والاتصال المثمر والبناء مع العديد من دول العالم المؤثرة بالقضايا الدولية وفي مقدمتها امريكا التي ما زالت تؤمن بأولوياتها السياسية واستراتيجياتها برسم خارطة المنطقة ، وروسبا المنفتحة اكثر عليها ، والدول الغربية التي ما زالت مواثفها مترددة وغير محسومة ، والرباعية ، اضافة الى دول شرق اوروبا وشرق اسيا والامريكية الجنوبية وافريقيا ، وهو ما اعاد ثانية القضية الفلسطينية لواجهة الاحداث والاهتمام الدولي وان بشكل اقل من المطلوب والمتوقع ، او عما كان عليه الوضع قبل الربيع العربي.
وعلى الصعيد الدولي فان المبادرة الفرنسية لعقد مؤتمر دولي للسلام من اجل انقاذ العملية السلمية وتجنيب المنطقة المزيد من ويلات الحروب والدمار ، ما تزال تتفاعل بين مؤيد ومعارض رغم ابداء العديد من الدول تأييدها لها ،لكن حكومة الاحتلال ترفضها لانها ترفض السلام من حيث المبدأ علما بان المبادرة مقبولة فلسطينيا وعربيا ودوليا.
انه مخاض صعب ومعقد يحتاج الى الكثير من الجهد والعمل للحفاظ على حقوق وامن شعوب المنطقة باسرها.
* السفير الفلسطيني في عمان
*يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي.