اوباما واتجاه التغيير الاميركي!
فوز باراك اوباما برئاسة الولايات المتحدة الاميركية كان متوقعاً، على نطاق واسع، ولم يكن مفاجئاً، فالمفاجأة كانت ستكون لو انه لم يفز، وان ماكين الجمهوري هو الذي فاز. فكل استطلاعات الرأي العام كانت لصالح اوباما.
كثيرون من العرب كانوا يؤيدون اوباما ويتمنون فوزه، ولهذا لم تكن فرحتهم خافية بنتائج الانتخابات الاميركية. وهذا ينطبق على العرب الاميركيين، مثلما هو على العرب في بلدانهم الاصلية. وقد لا يكون مرد هذا الامر الى اعجاب بأوباما نفسه بالقدر الذي هو نكاية بجورج بوش الابن وسياساته العمياء، ومن خلاله بالحزب الجمهوري وتوجهاته وحروبه.
وقد كان يمكن للسياسة الاميركية القائمة ان تستمر كما هي، بل ان تصبح اسوأ لو نجح المرشح الجمهوري ماكين، غير ان فوز اوباما يعني ان هناك تغييراً نوعياً في الاتجاه قد حدث في اميركا، وان هذه هي ارادة الناخب الاميركي، في الاغلب، مع الأخذ بالاعتبار قدرة الاعلام على تجميل صورة الديمقراطيين ومرشحهم واهدافه وتطلعاته اذا لاحظنا ان اكثر من مئتين وخمسين صحيفة اميركية رئيسية الى جانب عشرات الفضائيات والاذاعات ومواقع الانترنت قد اختارت ان تقف الى جانب اوباما وتدعم ترشيحه وتتبنى سياساته المستقبلية.
حتى اللحظة الاخيرة كانت التخوفات من وقوع المفاجأة التي تحفّظ كثير من المحللين بشأن احتمالها وهي ان يصوت الاميركيون عرقياً ضد المرشح ذي الاصل الافريقي رغم انه ''هجين'' بمعنى انه عرقياً: نصف ابيض ونصف اسود. وهو ملحظ اختاره الاعلام الاميركي نفسه وفرضه على العالم، وظل المحرك الرئيسي لكثير من التحليلات والتوقعات واستطلاعات الرأي العام حتى الحظة الاخيرة بل جذب اهتمام الناس بعيدا عن طروحاته وتوجهاته السياسية والاقتصادية.
وبعد اعلان النتائج النهائية، وخطاب النصر الذي ألقاه الرئيس الجديد والتهاني التي تلقاها من منافسه ماكين، والرئيس المغادر جورج بوش، تبدو صورة الرئيس اوباما اوضح من ذي قبل، وتصبح تطلعات الناس واشواقهم التي وقفت وراء ظاهرة اوباما لا شخصه، هي المحك الذي تقاس عليه اخفاقاته او انجازاته.
وبالنسبة للعرب، دولا وشعوبا، فقد يكون من المبكر التعلق باوهام حدوث تغييرات جذرية على المواقف والسياسات الاميركية تجاه قضاياهم الرئيسية كفلسطين والعراق، غير أن الثابت الاهم والدائم في سياسة اميركا هو امن اسرائيل ومصالحها، وهو ما لا يستطيع احد ان يعدنا بتغييره نتيجة اختيار شخصي او حكمة سياسية او وعد إلهي، اللهم إلا اذا كنا نملك اوراقنا ونستطيع ان نستخدمها جيدا لاحداث مثل هذا التغيير المطلوب.
لا شك في ان فوز اوباما يحمل تغييرا كبيرا لاميركا، هذا التغيير الذي يُعيد شيئا من اللمعان الذي فقدته صورتها في الخارج، أما في الداخل فسيكون تغييرا عميقا جدا، فاميركا التي اختارت اوباما رئيسا هي غير اميركا التي اختارت جورج بوش الابن، قبل اربع سنوات، اميركا تغيرت، ولكنها بحاجة الى ان تحمل تغييرها هذا الى العالم بعيدا عن الاحادية القطبية ومحور الخير والشر والحروب الاستباقية والاقصاء والعزل والهيمنة وخرق سيادة الدول ومصادرة حريات الآخرين، والمعايير المزدوجة.
د. محمد ناجي عمايرة
|