حاوره: حسين جلعاد - تعتبر تجربة الروائي والكاتب الدرامي السوري نهاد سيريس مثالا ساطعا على تمازج الإبداعات الأدبية والفنية، فقد بدأ نشاطه الأدبي بكتابة الرواية في مطلع ثمانينيات القرن العشرين وانطلق بعدها إلى كتابة الدراما التلفزيونية، وقد حققت أعماله - ومسلسلاته خصوصا- شهرة واسعة في العالم العربي بسبب تناولها لفترات تاريخية ساخنة لامست آمال وأحلام الأمة في طور تشكلها المعاصر.
يُصنف نهاد سيريس باعتباره واحدا من الكتاب الواقعيين في جيل الثمانينيات السوري، وتظهر في أعماله بيئة مدينة حلب بشكل جلي، كما يعتبر من أوائل من كتبوا الرواية التاريخية في سورية وقد لفتت رواياته أنظار القراء والنقاد، وكان دخوله مجال الدراما التلفزيونية ملفتاً بمسلسل (خان الحرير) الشهير الذي حظي بإعجاب المشاهدين بسبب واقعيته وجرأته وتشويقه وقد ترجم المسلسل إلى الإنجليزية والفارسية والألمانية.
ولعل القفزة الأهم في تجربة سيريس الدرامية هي مسلسله الأخير «الخيط الأبيض» الذي عرض في رمضان الماضي، حيث انتقل المؤلف من إطار المسلسلات التاريخية إلى نقاش القضايا العصرية الملحة، وخصوصا فيما يتعلق بحرية الإعلام التي تعد مؤشرا على الحراك المدني والسياسي في عالمنا العربي.
في حوارنا هذا معه يكشف الكاتب سيريس رؤيته لطبيعة العلاقة بين الأنواع الأدبية والفنية المختلفة ويرى في مزاوجة المبدع للفنون المختلفة عامل إثراء للتجربة ومسؤولية ينبغي ايلاؤها عناية جدية خصوصا في ظل حقيقة إقبال الجمهور على فعل المشاهدة أكثر من إقباله على فعل القراءة حيث أصبح التلفزيون -حسب تعبير سيريس- مصدراً مهماً للمعلومة وللشحن العاطفي والفكري بالنسبة للسواد الأعظم من الناس الذين لا يقرأون.
كما ويكشف سيريس عن رفضه لتدخل المخرج هيثم حقي ـ الذي شكل معه ثنائيا طوال تجربته الدرامية- في نص مسلسله الأخير «الخيط الأبيض»، ويصف ذلك بأنه إساءة لفكرة العمل.
وحول رؤيته لطبيعة الكتابة الروائية يرى سيريس أن التاريخ مختبر للروائي يضع فيه شخصياته المتخيلة ويتركهم يعيشون على هواهم، لافتا إلى انه يلتجىء إلى التاريخ في رواياته نظرا لاعتقاده بأن الإجابات الصحيحة عن أسئلة اليوم تكمن هناك وليس في الراهن المعاش.
يذكر أن سيريس من مواليد مدينة حلب في سورية عام 1950. درس الهندسة المدنية في بلغاريا فحصل على الماجستير عام 1976، ثم عاد إلى وطنه ليعمل مهندساً في مكتبه الخاص وهو يعيش ويعمل ويمارس الكتابة الأدبية في مدينته حلب.
وكان بدأ نشاطه الأدبي في بداية الثمانينيات فألف عدداً من الروايات والمسرحيات والدراما التلفزيونية ودراما الأطفال، وقد اصدر عددا من الروايات هي : «السرطان» (1987)، «رياح الشمال ج1 - سوق الصغير» ( 1989 )، «الكوميديا الفلاحية» (1990)، «رياح الشمال - ج2 » (1993)، «حالة شغف» (1998)، وأخيرا رواية «الصمت والصخب» الصادرة حديثا عن دار الآداب اللبنانية.
وقدم سيريس في مجال الدراما التلفزيونية عددا مهما من المسلسلات كان أولها «خان الحرير - الجزء الأول» وقد عرض في بداية عام 1996 وحظي بشعبية كبيرة جدا ًوتدور أحداثه في فترة الخمسينيات من تاريخ سورية حين حدث صراع سياسي خطير أدى في النهاية إلى الوحدة السورية المصرية. ويصور المسلسل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تلك الفترة.
كما وأنجز سيريس مسلسل «الثريا» والذي عرض في بداية عام 1997 وحظي أيضا بشعبية كبيرة ونال الجائزة الفضية في مسابقة الأعمال الاجتماعية في مهرجان القاهرة للمسلسلات والبرامج التلفزيونية في نفس العام. ويرصد المسلسل بدايات التنوير في المجتمع السوري إبان فترة خروج العثمانيين من سورية ثم دخول الفرنسيين وما رافق ذلك من تغيرات اجتماعية وسياسية.
وكتب سيريس الجزء الثاني من مسلسل «خان الحرير» والذي عرض عام 1998 وتابع فيه الأوضاع السورية في عهد الوحدة السورية المصرية حتى يوم الانفصال عن مصر وانفراط عقد الوحدة. وقد أثار هذا المسلسل جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية الشعبية والرسمية آنذاك.
والى جانب تجارب أخرى في القصة فقد خاض سيريس غمار المسرح فكتب عددا من المسرحيات هي : «بيت الألعاب» و«ليل الضرة» و«البيانو». وقد عرضت مسرحيتا «ليل الضرة» و«البيانو» في عرض مسرحي واحد تحت عنوان: «رجال ونساء»، في المسرح القومي بمدينة حلب خريف عام 1999 من إخراج فراس نعناع.
وفي مجال دراما الأطفال قدم سيريس عددا من الأعمال هي : «اللغز» وقد عرض عام 1994 ونال الجائزة البرونزية في مهرجان القاهرة الدولي لأفلام الأطفال عام 1995 وهو من إخراج ليالي بدر، إضافة إلى مسلسل «قضية تمام» والذي عرض عام 1999 وحول إلى فيلم طويل بثمانين دقيقة، وهو من إخراج محمد الشيخ نجيب.
* أثار مسلسلك الأخير «الخيط الأبيض» والذي عرض في شهر رمضان الماضي جملة واسعة من الآراء المتباينة لعل أهمها طرح مسألة حيوية الإعلام ودوره في الحياة المدنية والسياسية، هل ترى انك قاربت النقاش حول ذلك وحول ضرورات ما يسمى «الإصلاح» في الدول العربية وخصوصا فيما يتعلق بالحريات العامة، وكيف تفند بعض الآراء التي وصفت العمل بأنه يأتي في سياق سياسات التبشير الرسمية العربية بوجود ديمقراطية راسخة سمحت والحال كذلك بمسلسل جريء كهذا؟
- يحاول المسلسل الخروج من الصورة النمطية التي تحكم العمل الدرامي وخاصة تلك الأعمال التي تنشغل بالهم العام. لم نرد ان نقدم عملاً يجعل من الإعلام قضية ديكور بل كنا نحاول ان نبني افتراضياً عالم الإعلام وما يمكن ان يواجهه في ظروف سيطرة الدولة والأجهزة الأمنية على ما يمكن وما لا يمكن أن يقال فيه. لقد استنتج المسلسل بأنه لا يمكن أن نناقش قضايا الفساد بموضوعية وحرية ونوجه أصابع الاتهام إلى اللصوص الحقيقيين بدون حرية رأي وبدون استقلال الإعلام عن السلطات وجعله بحق «سلطة رابعة».
ان الأنظمة العربية تريد من الإعلام بشكل عام (والتلفزيون بشكل خاص) ان يكون أداة للترفيه فقط لا غير، وان تنطع للأمور العامة فعليه ان يبحث في قضايا معينة دون غيرها. لقد فشل رأفت الشمالي في إذاعة برنامجه عن «زكي بيك» بسبب قوة سيطرة الدولة الشمولية التي ترى نفسها في هذا الإنسان وان أي فضح لما فعله «زكي بيك» هو فضح لها، لذلك كان عليها ان تضحي بإعلامي محبوب وجريء لتخفي الحقيقة.
أما أن يكون لـ«الخيط الأبيض» دور تبشيري كما يدعي بعضهم فهذا غير صحيح وصاحب الرأي لا يفقه شيئاً عما يجري في سورية، فهنا يجري جدل طويل ومحرج (للحزب والسلطة) حول أسباب تخلف إعلامنا وحول كيفية تطويره. كل وزير إعلام يأتي كان في الماضي ينتقد الإعلام السوري ويتهمه بالفشل، ومن الطبيعي ان يرتفع سقف المسموح به في مثل هذه الظروف وقد استغللت واستغل غيري الفرصة للهجوم على الفساد بصراحة أكثر ووضعنا الرقابة الإعلامية أمام مفترق طرق، إما أن تسمحوا لنا أو تكونوا مجرد انتهازيين كنتم تشتكون من قصور الإعلام لمجرد الوصول إلى الكراسي.
* وجدت في التحول من الكتابة الروائية إلى الكتابة الدرامية معادلا موضوعيا ـ أو لنقل معالجا موضوعيا - لأمية طاغية تكاد لا تلتفت لقراءة الكتاب حسب ما هو مؤمل ! إلى أي مدى نجحت أنت ونجحت الأعمال التلفازية في التعويض عن الكتاب؟ وهل حققت وعيا بديلا في عقول الناس كان يمكن أو يؤمل أن يحققه الكتاب؟؟
- نجحنا الى حد بعيد حتى أصبح التلفزيون مصدراً مهماً للمعلومة وللشحن العاطفي والفكري بالنسبة للسواد الأعظم من الناس الذين لا يقرأون. منذ عشر سنين رحت أتحدث عن الذهاب الى حيث يقبع المواطن. انني روائي وأجد حريتي في التعبير في الكتاب، ولكن الكتاب يحتاج الى قارئ لكي تكتمل وظيفته. المواطن الآن يقبع أمام التلفزيون فارتحلت اليه ورحت أكتب الدراما ناقلاً الإمكانيات الخطيرة للرواية الى الدراما. كتبت عن التنوير في مسلسل «الثريا» وعالجت موضوع الوحدة العربية في «خان الحرير» ومؤخراً قدمت عملاً عن الإعلام والفساد وحرية الرأي في ظروف السلطة الهائلة للنظام. أوصلت أفكاري الى الجمهور وما يزال لدي الكثير لأقوله وخاصة «حال البلد» في ظروفنا الحالية، وسوف أقوله ان شاء الله، ولكن يبقى الكتاب مملكة الكاتب، فهنا لا وجود لمخرج على أفكارك أن تمر في مصافيه قبل أن تصل الى الجمهور، بل العلاقة مباشرة بين الكاتب والقارئ وان رفضت الرقابة نشر كتابي فإنني وببساطة سوف أنشره على الانترنت.
* منذ روايتك الأولى «السرطان» مرورا بـ «رياح الشمال» و«الكوميديا الفلاحية» وانتهاء بروايتك الأحدث «حالة شغف»، أظهرت ميلا طاغيا للنهل من التاريخ ـ وتحديدا تاريخ مدينتك حلب ـ فكيف نجوت من مصيدة الأرشفة والتأريخ ؟ والى أي حد يمكن للكاتب أن يعالج التاريخ بروح فنية أدبية؟
- لقد وقع غيري في مصيدة التأريخ والأرشفة كما تقول لأنهم لم يعوا دور الرواية التاريخية كما نظّر فيها «جورج لوكاش». الرواية التاريخية هي الرواية الواقعية بامتياز وأهم متطلباتها هي المخيلة الخصبة. على الروائي أن يقرأ التاريخ بشكل جيد ويجعله مختبراً يضع فيه شخصياته المتخيلة ويتركهم يعيشون على هواهم (أقول هم لأنهم عندي ناس حقيقيون).
ان الرواية التاريخية هي رواية متخيلة في ظروف واقعية وتاريخية معينة. لقد التجأت الى التاريخ لأنني اعتقد بأن هناك تكمن الإجابات الصحيحة عن أسئلة اليوم، أو كما تقول العامّة عندنا «ذاك الغيم هو الذي جاء بهذا المطر» كنت في الحقيقة أدرس ذاك الغيم وعيني على هذا المطر. ان مهمة الروائي ليس سرد التاريخ بل رصد شخصياته المتخيلة وهي تعيش في التاريخ.
* استمرارا للسؤال السابق إلى أي حد يمكن للروائي أو الكاتب الدرامي الالتزام بالشروط الموضوعية أو الحقائق التاريخية، وفي ذهني الآن مسلسلك الشهير «خان الحرير» الذي قدمت فيه رؤيا مخالفة لكتب التاريخ حول موضوعة الوحدة السورية ـ المصرية ! ألا يمكن القول انك والمخرج المميز هيثم حقي قد وقعتما أيضا في تفسير ايدولوجي آخر للأحداث ، ولكن بنظرة مخالفة لما ترفضانه من الناحية السياسية؟؟
- سوف أتحدث عن نفسي، بكل بساطة تستطيع ان تقول انني قدمت رؤيتي الخاصة لموضوعة الوحدة السورية ـ المصرية، فانا لا أدعي انني أملك الحقيقة الكاملة، بل كل ما أقوله لا يخرج ، برأيي، عن حدود الرأي الخاص. والرأي الخاص لا يخرج عن حدود التفسير الإيديولوجي، فكل إنسان يمتلك عقيدة معينة يبني بها أفكاره الخاصة. إلا أن أفكاري الخاصة (في هذا الموضوع) تنسجم مع آراء ومواقف شريحة واسعة من الناس (وقد تكون أقلية) اضطرت للصمت تحت ضغط وإرهاب السائد.
كان السائد حينها ان الوحدة إياها كانت ضحية للمؤامرات الإمبريالية والصهيونية والرجعية. جئنا وقلنا لا.. يجب علينا أن ندرس الموضوع بشكل عقلاني وواقعي. خرجنا بأن الوحدة كانت ضحية للنظام الأمني القمعي المخابراتي الذي ساد في زمنها (1958 ـ 1961) فسقطت الوحدة بعد أن قمعت ووضعت في السجون أصحاب المصلحة الرئيسية في الوحدة بهدف الاستئثار بالسلطة. فعندما جرى تأميم المصالح الاقتصادية للطبقة الغنية قامت على الوحدة وفصلت سورية عن مصر دون أن يكون هناك من يدافع عنها. هل هذا الكلام أيديولوجي أم علمي؟ وهل علينا أن نبقى عاطفيين ونردد الشعارات السائدة لكي لا نتهم بالايدولوجيا المضادة؟
*أنت كاتب متعدد المواهب ، وقد كتبت الرواية والمسرح وقاربت أدب الأطفال في بعض الأعمال الدرامية، إضافة إلى تجارب في القصة، وبالنظر إلى أن عملك اليومي في الهندسة، فإن تلك الحقول حيوات متعددة لروح واحدة، ما الذي يجتاحك لتوزع نفسك في كل تلك الحقول؟
- إنها ليست توزيعاً للذات بقدر ما هي تجليات للنفس الحالمة والمغامرة. إنني أعمل في الهندسة لأحصل على قوتي وقوت أهلي، ولكن وقتي المتبقي، والذي هو ملكي الشخصي، أسخره للحلم. ان الكتابة هي سعي الروح للتحرر والانطلاق وهذا لا يحدث إلا في الحلم. انني أحلم بعالم أجمل ولكن ليس بعيداً عن بلدي وأهلي. ان كان علينا أن نفهم العالم فيجب أن نبدأ بفهم أنفسنا والمكان الذي نعيش فيه ومن ثم علينا أن نجعله أفضل وأجمل وهذا في الحقيقة حلم في حلم فأنا أعرف في قرارة نفسي بأن بلادنا لن تصبح أفضل إلا في الأحلام. إن الحلم يغنيني عن السفر والهجرة.
* يلاحظ في موقعك الالكتروني انك نشرت أعمالك الدرامية مع الإشارة إلى أنها تنشر كما كتبت أصلا الأمر الذي قد يفهم منه إلى انك تخلي مسؤوليتك عن رؤية المخرج عند ترجمته للنص أو السيناريو ! إلى أي مدى عموما حافظت الدراما التلفزيونية على طزاجة أفكارك الروائية وكانت أمينة لها؟ وهل يحدث أن تغير في أعمالك على هدي رؤيا المخرج؟
- لم أنشر على الموقع من أعمالي الدرامية سوى نص «الخيط الأبيض» والذي دفعني إلى ذلك تدخلات كثيرة حدثت في النص الأصلي أساءت إليه وخرج العمل ليس كما يجب. هناك موازين دقيقة تحكم النص التلفزيوني وأي خلل يحدث فيه يجعل المشاهد يشعر بالملل من المسلسل فيتحول عنه. المشاهد لا يعرف تفسيراً للخلل ولكن صانع العمل يعرف جيداً أن أي تلاعب في مزاج الشخصية أو حجم تواجدها يؤثر سلباً في العمل. لقد أساء المخرج هذه المرة للنص الذي يعمل عليه وقد نبهته لكي لا «يلعب فيه» فنحن في التلفزيون ولسنا في السينما. في السينما السورية المخرج هو الذي يضع النص ويضع فيه سيرته الذاتية بينما يختلف الأمر في الدراما التلفزيونية.
تصور ان المخرج وضع مشهداً قصيراً أساء إلى مفهوم العمل دون أن يرف له جفن فقد وضع مشهداً يجمع رأفت الشمالي وسهام البنا وزكي بيك حيث يقوم هذا الأخير بطلب الغفران منهما. هذا المشهد أساء الى فكرة المسلسل عن هؤلاء الذين يسيطرون على المال والنفوذ، هؤلاء الذين لهم الكلمة الأخيرة وقد أراد المسلسل ان يصفهم بهذا الشكل ليأتي المخرج ويقدمهم في النهاية ضعفاء ويطلبون الغفران من أعدائهم المنهزمين.
انني أعتذر للناس على هذا الأمر فقد ظهر اننا غير صادقين. لقد وقع المخرج في هذا الخطأ بعد أن فاته السبب الذي دفع زكي بيك للذهاب الى مدير التلفزيون يطلب منه لقاء تلفزيونياً ليطلب فيه الغفران من الجمهور على ما اقترف. فاته ان زكي بيك كان يخفي خبثاً وانه حين طلب ذلك فهو يعرف ان المدير لن يسمح بهذا مطلقاً لأنه وضع في منصبه ليقوم بتلميع الصورة القبيحة. تسألني، هل فقد المخرج بوصلته في هذا المسلسل؟ جوابي هو ان المخرج كان مريضاً وقد أجريت له أثناء تصوير المسلسل عملية تغيير ثلاثة شرايين للقلب وهذا ما جعل التصوير يتم بدون ضابط.
* كتبت التاريخ والفكر السياسي من خلال الدراما والرواية ، ألا يستحق الحاضر الراهن أعمالا أيضا بحجم أعمالك التي قدمتها وتحديدا ما يجري في الوطن العربي بدءا من أحداث 11 أيلول وتداعياتها وانتهاء باحتلال العراق؟؟
- في هذه المرحلة نحن جميعاً نراقب ما يجري والكتابة عنه يحتاج الى وقت للهضم. الرواية بنت التاريخ وتسعى دائماً للكتابة عن حدث ما جرى وانتهى زمنه، إلا اذا دخلنا في باب التنبؤات وراح الكاتب يقدم الرؤى المستقبلية وهذا ليس من وظيفة الروائي.
* تعد الحكاية السمة الأبرز في نتاجك الروائي سواء في ما يمكن تسميته أعمالك الكلاسيكية مثل «رياح الشمال» و«الكوميديا الفلاحية» أو أحدثها «حالة شغف» والتي حاولت القفز فيها إلى مرحلة جديدة من أسلوبك عبر الاستفادة من تقنيات «ألف ليلة وليلة» الشهيرة، سؤالي أين هي التقنيات الأسلوبية الأخرى في الكتابة كاللغة والبناء الحداثي؟ هل هي حداثة أخرى؟ وهل الحكاية هي غاية الكتابة؟
- الحكاية ليست غاية، بل لقد استعرت أسلوب الحكاية لصنع رواياتي. انا لست مع الحداثة من أجل الحداثة أو مع اللغة من أجل اللغة. الرواية الحديثة الآن تعتمد أيضاً على الأسلوب الحكائي. لقد جاء من يود تحطيم السرد الروائي بحجة الحداثة فذهبت الحداثة وذهبت معها هذه الأعمال التي تسمى حداثوية. الرواية الحديثة اليوم لا تنشغل بتحطيم الأساليب فقط. الرواية اليوم تقدم سرداً ذكياً مفعماً بالمعلومات.
في روايتي «حالة شغف» قدمت كماً كبيراً من المعلومات عن أمر معين يخص نساء مدينتي. كان السرد كلاسيكياً واستخدمت أسلوب الحكاية وهناك انتقال مستمر في الأزمنة الى الأمام والى الخلف وقد أحب القراء هذه الرواية وهي تقرأ بكثافة وتطلب مني على الانترنت مجاناً. هل تريدني أن أحطم مسار السرد وألغي الأحداث والحكائية لنرضي بعض النقاد؟ أنا أزعم أنني أكتب الرواية الحديثة عبر الاستفادة من البنائية والأساليب الحكائية المحلية.
* ثورة التكنولوجيا والاتصالات ساهمت في انفتاح العالم على بعضه بعضا، ومع ذلك فقد زادت أيضا من إمكانية تعليب الإنسان ووصفه كحالة رقمية، بمعنى تضاؤل حريته بازدياد طغيان التكنولوجيا وهو أمر انعكس في ظهور عزلة المثقفين عبر نتاجاتهم التي انشغلت بالتاريخ البعيد أو بالتفاصيل اليومية .. هل ما يزال المثقف مرشحا للتغيير أم انه في طريقه ليكون «كائنا لامرئيا» بحسب تعبير ايمرسون؟
- انا لم أعد أؤمن بأنني سأعيش حتى أرى التغيير في عالمنا العربي. انا الآن في منتصف عقدي الخامس، يعني أنني أمضيت ما لا يقل عن أربعين عاماً أنتظر التغيير حتى مللت. انني الآن أحلم بعوالم أخرى مختلفة أثناء الكتابة ويبدو ان الكتابة هي التي تجعل العالم محتملاً. وجدت أن الانتظار لا يجدي والحلم أفضل. كنت أكتب لأدفع القارئ أو المشاهد ليغير، إلا ان التغيير أصبح مثل «جودو» فهو لن يأتي. أكتب الآن لأحلم ولأستمتع. أكتب لأصف للناس كيف هو الحال ولم يعد يهمني ان يثوروا، فإن ثاروا فهذا حسن وإن لم يثوروا فيكفي انهم تمتعوا بما قرأوا أو شاهدوا ويكفي انني تمتعت بما كتبت.
* بدأت حياتك الإبداعية بالكتابة الروائية ثم انتقلت إلى الكتابة الدرامية التي قاطعتها فترة لتعود إلى كتابة الرواية؟ لماذا هذا التراوح؟ وأية حرية توفرها لك الدراما وسط تدخل متطلبات السوق وشروطه ؟
- أنا روائي، قمت بكتابة الدراما للتلفزيون بسبب أهميتها ولكنني سأظل روائياً. سمه تراوحاً ولكن الأمر مثير للاهتمام ومفيد جداً. قد تسألني لماذا أكتب المسرحية أو القصة أيضاً. لا يجب ان يحد الكاتب أي حدود. عليه أن يجد بنفسه الطريقة التي يستطيع بها ان يخرج إبداعه دون خجل ودون اعتبارات لا طعم لها. الاعتبارات الوحيدة التي سأعمل وفقاً لها هي تواجد الجمهور و«النظافة». إذا طلب مني (وهذا حدث بالفعل) أن أكتب دراما تجارية فسوف أرفض. إذا رفضت الرقابات عملاً لي فإنني سأرفض التعديل والمهادنة. لقد أصدرت مؤخراً رواية جديدة اسمها «الصمت والصخب» لم تأت على ذكرها في أسئلتك. انها رواية عن الاستبداد. الصمت هو صمت الكاتب الذي فرض عليه لأنه رفض المشاركة في صخب السلطة. لقد أردت أن أكتب ماذا سيحدث لي أن فرض علي أن أتملق وأنظف أوساخ السلطة. قمت، في هذه الرواية، بتجربة الصمت.








