كثيرا ما تزف وسائل الإعلام خبر إنتاج فيلم سينمائي ما في بلد ما لم يعرف إنتاج الأفلام السينمائية من قبل، وتحتفي وسائل الإعلام بالفيلم بوصفه الفيلم الأول. ولكن... أي فيلم هو الأول في تاريخ هذا البلد أو ذاك؟ سؤال قد يبدو سهلا للوهلة الأولى ولكن الجواب عليه صعب، خصوصا أن ثمة أسئلة أخرى ترتبط به تتعلق بهوية أو جنسية الفيلم الوطنية، وبمدى تأثير هذا الفيلم الذي يُعدّ الأول على استمرارية عجلة الإنتاج الوطني للأفلام، فهل هو مجرد محاولة لم تتكرر، ام انه يؤسس لسينما محلية لاحقة؟ وكذلك هل يتضمن الفيلم قيمة ما، سواء كانت فنية أو فكرية أو تقنية، تؤهله لأن يحتفظ بموقع له في التاريخ الفني الوطني أم إنه تجربة يتيمة، مصيره أن يرمى في سلة مهملات التاريخ.
طرحت اسئلة كثيرة من هذا النوع حول التأريخ للسينما المصرية في الندوة الدولية التي عقدت في ختام مهرجان الإسماعيلية الحادي عشر للأفلام التسجيلية والقصيرة الذي أقيم في أواخر أيلول الماضي وشارك فيها نخبة من الباحثين العرب ومنهم كاتب هذه السطور. وقد ثار في الندوة الكثير من الجدل حول مفهوم الفيلم الأول إضافة إلى مسألة التأريخ لبداية السينما المصرية والتي ما يزال مولدها مادة للخلاف بين الباحثين والنقاد المصريين، خصوصا أن التجارب الأولى لصنع أفلام في مصرفي وقت مبكر من القرن العشرين كانت محاولات طارئة وجرى تحقيقها من قبل هواة غير مصريين ولم تترك وراءها أثرا يستحق الذكر، مما جعل من السؤال حول إمكانية عدّها أفلاما مصرية ذات طبيعة إشكالية وخلافية. ومثلما حصل في مصر حصل ايضا في العديد من الدول النامية، خصوصا التي كانت واقعة تحت الاستعمار فحقق فيها هواة أجانب، زمن السينما الصامتة، تجارب لإنتاج وثائق مرئية أو أفلام إخبارية قصيرة أو حتى روائية قصيرة، تتسم جميعها بالضعف التقني والسذاجة الفنية، وتخلو من أي عنصر يمكن أن يعطيها هوية محلية باستثناء جغرافية مكان التصوير.
فهل نعثر في جميع الأفلام التي يؤرخ لها بوصفها الأولى في بلد ما ويحتفى بها تبعا لذلك، على قيمة مميزة ما تجعلها تستحق الاحتفاء بها وتثبيت موقعها في ذاكرة التاريخ؟.
مالت غالبية الآراء التي قيلت في الندوة الدولية حول التأريخ للسينما المصرية إلى تأكيد أن الفيلم الأول يجب أن يكتسب شرعية عدّه فيلما وطنيا أوّل، انطلاقا من هويته المحلية من حيث الإنتاج والعنصر البشري والمضمون، لكن هذه الآراء لم تكن حاسمة تماما، ذلك انه إذا كان هذا الأمر يصح على الحديث عن بدايات السينما في مراحل مبكرة من عمرها، فإنه قد لا يصح على الأفلام الأولى التي تنتج في أيامنا الحالية في بلدان لم تعرف إنتاج الأفلام السينمائية من قبل، ويجري تمويلها، إما كليا أو جزئيا، بأموال أجنبية، وتعتمد على خبرات وعلى عناصر أجنبية، وقد تخضع مضامينها لمتطلبات الممول الأجنبي فتنحرف عن مضمونها الوطني وبالتالي عن هويتها الوطنية. من ناحية ثانية فإن مصادر التمويل الخاص بإنتاج وحتى توزيع الأفلام تثير إشكاليات جديدة بالعلاقة مع مسألة تحديد هوية الفيلم، وهي إشكاليات ذات طبيعة قانونية واقتصادية تسمح للمنتج الممول بالاستيلاء على الفيلم والتحكم بحقوق توزيعه وعرضه وإكسابه الهوية، أو بتعبير أدق، الجنسية التي يريد.
عالميا، جرى التعارف بين المؤرخين السينمائيين على عدّ العرض الأول لأفلام الأخوين لوميير في نهاية العام 1896 والذي تحقق في إحدى المقاهي الباريسية بداية تاريخ السينما العالمي. بعد عقود عدة من ذاك العرض الأول تكشفت معلومات جديدة عن عروض لأفلام جرت قبل عرض أفلام الأخوين لوميير في أكثر من دولة أوروبية ومن قبل رواد سينمائيين آخرين، هذا إضافة إلى التجارب المهمة التي أجراها قبل الأخوين لوميير المخترع الأميركي أديسون، مع ذلك فإن هذه الاكتشافات لم تحل محل عرض لوميير وتتبوأ مرتبة العرض الأول لا محليا ولا عالميا، ذلك لأنها لم تمتلك القيمة التي كانت لأفلام لوميير والتي تمثلت في أنها أدخلت السينما منذ البداية عالم التجارة عن طريق إقامة عرض جماهيري لقاء تذكرة مشتراة، والأهم من ذلك أنها كشفت للمرة الأولى عن جوهر السينما بوصفها أول وسيلة تقنية ليس فقط لعرض الصور المتحركة، بل تحديدا كونها وسيلة تقنية فعالة لعكس صور الواقع مباشرة وذات قدرة على الإيهام بالحركة وبالتالي الإيهام بالواقع، ورسمت أفلام العرض الأول الذي أقامه الأخوان أنطون ولويس لوميير ملامح النوعين الفيلميين اللذين سوف يسيطران على مسيرة السينما اللاحقة، أي الفيلم التسجيلي والفيلم الروائي، ففي حين كانت غالبية الأفلام وثائقية ، مثل وصول القطار إلى المحطة و إفطار الطفل و خروج العمال من المصنع ، فإن الأخوين لوميير استخدما في فيلم وصول القطار إلى المحطة والدتهما كممثلة وجعلاها تقف مع المنتظرين على رصيف المحطة، أي أنها كانت تمثل دور من ينتظر القطار، كما أنهما صورا عائلة أحدهما أثناء إطعام الطفل، مما يفترض قيامهما ببعض التوجيهات الإخراجية للشخصيات التي جرى تصويرها في هاته الأفلام، هذا إضافة إلى أن عرض الأخوين لوميير تضمن فيلما روائيا كوميديا استُخدم فيه ممثلان وكان بعنوان ساقي البستان يرش نفسه .
من ناحية ثانية، سمح عرض أفلام الأخوين لوميير باكتشاف ردود الفعل الأولى الغريزية من قبل المشاهدين الأوائل على الصور المتحركة، وكان أبرز ردود الفعل هذه الهلع الذي أصاب المتفرجين الأوائل وهم يشاهدون فيلم وصول القطار إلى المحطة بعد أن شاهدوا القطار المتحرك يتقدم باتجاه الشاشة، أي باتجاههم. إذن، فما كان مهما، في الحقيقة، ليس أن عرض لوميير هو الأول فقط، بل المهم أن ذاك العرض مهّد لمعارف جديدة وكشف عن إمكانيات كامنة في هذا الاختراع الجديد الذي بدا للوهلة الأولى مجرد تقنية جديدة لتحريك الصور.
عربيا، قامت الأفلام الأولى التي أنتجت في بعض الدول العربية على تجارب مختلفة، وقد حصل ذلك أحيانا في أوقات مبكرة من القرن العشرين، ففي مصر، كان أول من استخدم الكاميرات السينمائية لتصوير لقطات أو وثائق سينمائية من الأجانب وخاصة الطليان، وفي بلدان المغرب العربي كان الأجانب هم من بدأوا في إنتاج الأفلام سواء أكانت تسجيلية إخبارية أم روائية، ولكن هذه الأفلام لم تعدّ أفلاما أولى بقدر ما وصمت من قبل الباحثين في السينما في بلدان المغرب العربي بأنها تنتمي إلى الحقبة الاستعمارية. وفي بلدان أخرى، مثل سوريا ولبنان والأردن، كانت التجارب الأولى لإنتاج أفلام سينمائية ذات طابع وطني محلي صرف وكان لها قيمة خاصة، تجعلها تستحق أن تسجل في ذاكرة التاريخ الوطني، بدايات نتج عنها أفلام قد تكون ساذجة من الناحية الفنية وضعيفة تقنيا، صنعها هواة متحمسون أحبوا السينما مع أنهم لم يفهموها كوسيلة إبداعية راقية، لكنهم بالمقابل، لم يكتفوا بصناعة الفيلم بل صمموا وصنعوا التجهيزات والتقنيات التي ما كانت متوفرة بحوزتهم. هذا مثلا، ما كان من حال الفيلم السينمائي الروائي الأردني الرائد صراع في جرش ( 1957)، الذي أنتجه وأخرجه وصوره وعمل ومثل فيه مجموعة حرفيين هواة كانوا في الأصل إما عارضي أفلام في الصالات العامة أو فنيي خراطة وحدادة كان من ضمن خبراتهم صيانة وتصليح آلات العرض السينمائية، والذين استفادوا من خبراتهم الحرفية هذه لتصنيع آلات تحميض وطبع أشرطة الأفلام وطاولة المونتاج ونظام تطابق الصوت مع الصورة. وفيلم صراع في جرش مهم أيضا ليس فقط لمضمونه الوطني، بل أيضا لكونه كان مسبوقا بمقدمة دعائية عرضت في صالات السينما وقتها وتضمن مشاهد ذات طابع وثائقي لمدن الأردن وفلسطين أصبحت الآن حافظة مرئية لذاكرة تلك المدن.
وكان فيلم صراع في جرش فيلما وطنيا أردنيا، خصوصا لأنه كان ممولا بالكامل بأموال أردنية عبر شركة أسسها صانعو الفيلم وكانت المساهمة المالية لكل واحد منهم خمسة دنانير أردنية فقط.
* ناقد سينمائي أردني








