يعد الروائي باولو كويلو واحدا من أشهر كتاب العالم في الوقت الراهن، وهو من القلائل الذين ترجمت كتبهم الى لغات العالم وبيعت بملايين النسخ. ولعل معادلة الشهرة والجدوى الفنية والفكرية للابداع تضع صاحب الخيميائي في المرتبة الأشد جدلا بين القراء والنقاد، فكتبه تلقى رواجا متعاظما، كما أن منتقديه لا يقلون بأسا برفض أطروحاته أو التقليل من شأن موهبته.
هذا المقتطف هو جزء من كتاب أجراه معه الصحفي الاسباني خوان أرياس برفقة الشاعرة البرازيلية روزانا موري، وامتدت النقاشات طوال اسبوعين في بيت كويلو في العاصمة البرازيلية ريو دي جانيرو. وقد اعترف فيه الروائي بكل مراحله وتقلباته الفكرية والنفسية بدءا من تربيته المتزمته مرورا بفترة إلحاده ثم إدمانه المخدرات وعبادته الشيطانَ وممارسته السحر الأسود وحتى تعرضه للاختطاف ووضعه في مستشفى للامراض العقلية، ثم عودته لاحقا الى عقيدة أبويه وانتظامه في الكنيسة الكاثوليكية.
الحياة والايمان والدين والكتابة وكل مناخات الانسان والروائي كانت موضوعة على طاولة الحوار أو لنقل كرسي الاعتراف ، لدرجة أن الكاتب نفسه خرج من الحوارات أخيرا بقسَم في أنه لن يتحدث عن حياته لعشرين سنة مقبلة.
كويلو يقول في حواراته هذه انه يملك اموالا تكفي ثلاث حيوات، لكنه يعترف في جزء لاحق من أحاديثه بأنه غير سعيد، وخلال سياق الحوار سيكتشف القارئ أن لدى الروائي هموما روحية ومغامرات تشوقه أكثر مما يشوقه العالم العياني الظاهر.
وابتدأت النقاشات بما يسمى في المعتقد الكاثوليكي الفأل أو البشير ، والتي يرى فيها معتنقوها إشارات سماوية أو روحية ترشدهم في حياتهم.
وتاليا مقتطفات من الحوار:
- موضوع البُشَراء، كيف يمكنك أن تميزهم، وما الذي يمكن أن يعنوه في حياتنا، خصوصا انك تعود إليهم في كتبك. وكيف تعرف حين يظهر بشير حقيقي فعلا؟ سيكون من السهل أن تقرأ إشارات في كل شيء....
أنت محق، لأنه في محاولة قراءة البشراء في كل شيء، يمكن أن ينتهي بنا الأمر إلى أن نكون مهووسين. اسمع! أنا الآن أرى وردة بارزة على حقيبة روزانا، وهناك قرب الكمبيوتر لديّ وردة وأيقونة للقدّيسة تيريزا. يمكنني الآن أن أرى ذلك كإشارة واضحة تجاه القديسة تيريزا. ولكنك قد تقود نفسك إلى الجنون، لأنه يمكن أن ترى إشارة مجرّة ، فتعتقد أنه ينبغي عليك الحديث عن المجرات. وحقيقة الأمر ليس كذلك.
- إذن ما هو البشير؟
البشائر لغة، إنها أبجدية نطورّها لكي نخاطب روح العالم أو الكون أو الله. ومثل أية أبجدية فهي فردية. انت فقط تتعلمها باقتراف الأخطاء، وهذا يحميك من عولمة المسعى الروحاني.
- ما الذي تفهمه من عولمة المسعى الروحاني؟
اسمع! بحسب طريقة تفكيري، فإنه في غضون مئات السنوات القادمة، ستنعطف النزعة البشرية تجاه البحث عن الروحانية. وأرى أن الناس منذ الآن منفتحون تجاه الموضوع أكثر مما كانوا عليه خلال القرن الماضي. وقد بدأنا نلمس أن مقولة الدين أفيون الشعوب لم تعد تصمد، خصوصا وبالنظر الى أن أولئك الذين نادوا بها لم يعرفوا ربما الأفيون مطلقاً.
ما يحدث هو أنه حين يبدأ الناس التورّط بالدين فإنهم يخوضون في بحار غير مكتشفة. وحين نجد أنفسنا نغور في بحر غريب، تنبعث المخاوف، وفي لحظة فإننا نتشبث بأقرب شخص ليساعدنا. نحن جميعا نحتاج إلى التواصل مع الآخرين، لنتشارك مع أرواح الآخرين.
ولكن في الوقت نفسه نحتاج إلى أن نقف على أقدامنا الخاصة بنا، وأن نمشي بأرجلنا نحن، تماما مثل أن تمشي طريق الحج الى سانتياغو. تبدأ ذلك في الظلام وأنت لا تعرف ما الذي ستجده، رغم أنك تريد علامة لتلتقي بنفسك وبقدرك. وهذه العلامات تأتينا عن طريق الأبجدية الأغنى والتي تسمح لنا بأن نحدس بما ينبغي لنا وما لا ينبغي.
- لو حدنا عن موضوعنا قليلا، فإن أول كتاب كُتب في فرنسا عن مخطوطات قديسي الكنيسة العظماء، قد تسبب بفضيحة. وكانت النتيجة - لكونهم لم يتبعوا الطريق الدينية- أن تلك الشخصيات المبجلة كقديسين قد أصبحوا إما مجرمين مذهلين أو عاهرات مدهشات. والتفسير الذي أعطاه خبير المخطوطات انهم تمتعوا بشخصيات قوية فلم يسموا بدوافعهم الداخلية مع الدين، فأصبحوا عاهرات ومجرمين عظماء.
لا شكّ بذلك. وهذا لا يقتصر فقط على القدّيسين. يقولون إن الأطباء الجرّاحين ينبغي أن يتمتعوا بقسط كبير من السادية الخامدة، وغير ذلك فإنه لن يكون بمقدورهم ان يجروا العمليات الجراحية بشكل موفق. كما يقولون ببساطة أيضا إن الطبيب النفسي لا بد أن يكون لديه على الأقل لسعة جنون.
- والكتّاب؟
(ضاحكاً) أعتقد أن لدينا نحن الكتاب شيئاً من الإجرام في دواخلنا أيضاً، خصوصاً أولئك الذين يكتبون الروايات البوليسية والألغاز.
- لكن ما الذي يحدث إذا كنت مخطئا واتبعت قافلة بشير زائف؟ ألا يمكن لذلك أن يدمر حياتك؟
إنها مسألة حساسة ومهمة. بالنسبة لي الخطورة ليست في احتمالية ارتكاب خطأ واتباع بشير يتضح لاحقا أنه زائف. بالنسبة لي الأخطار العظمى في البحث الروحاني هم المرشدون الروحيون، الأسياد، والأصولية: ما أشرت له سابقا بتعبير العولمة الروحية . حين يأتي شخص ويخبرك: إلهي أعظم من إلهك .
هكذا تبدأ الحروب، الطريقة الوحيدة للهروب من ذلك هو أن نفهم أن البحث الروحي مسؤولية شخصية لا يمكن أن تنقلها او تودعها في الآخرين. من الأفضل أن تخطئ بخصوص البشراء الذين يخبرك وجدانك انهم يرشدونك، على أن تدع الآخرين يقررون قدرك. كل هذا لا ينبغي أن يؤخذ بوصفه انتقاداً للدين، والذي أعدّه سمة مهمة جدا للحياة البشرية.
- إذن ما الذي يعنيه الدين بالنسبة لك؟
أراه مجموعة من الناس يجدون طريقة جماعية للعبادة. اقول العبادة لا الطاعة ، وهما أمران مختلفان جدا. مجموعة من الناس يعبدون بوذا، الله، الرب، أب يسوع. أيا كان الاسم ليس مهما، المهم هو في اللحظة التي نلامس فيها الأسرار، فإننا نشعر باتحاد أكبر، بانفتاح أكبر على الحياة، وندرك أننا لسنا وحدنا في العالم ذلك أننا لا نعيش في عزلة. هذا هو الدين بالنسبة لي، وليس وضع القواعد والأوامر المفروضة من قبل آخرين.
- ولكن - إن لم أكن مخطئا- أنت تتقبل دوغمائية الكنيسة الكاثوليكية التي عدت إليها بعد فترة من الإلحاد؟
مناقشة مسألة الدوغما تأخذ وقتا ويمكن أن تطول. أنت تتقبل الدوغما لأنك تريد تقبلها، ليس لأنها مفروضة عليك. حين كنت صبيا كنت أردد من دون اي ذرة فهم -كأي شخص آخر- أن العذراء حملت من دون خطيئة و يسوع هو الله وكذلك الله هو الثالوث . لقد تعلمت اللاهوت اليميني، ولاهوت التحرير أيضا على حد سواء. إنها أشكال تتغير وتتطور، ولكن أنا في الخمسين من عمري، بينما عمر الدوغما يمتد مئات السنوات. وحسب ما يقول يونغ فإن الدوغما - المنافية للعقل في ظهورها- تشكّل الإظهار الأنقى والأكثر سحرا وإلهاما لطريقة التفكير البشري، وذلك لأنها تقبع ما وراء التفكير الواعي.
هذه الأيام لا يهم كم تبدو الدوغما منافية للعقل، أقبل الدوغما بكامل حريتي ومن صميم قلبي. ليس لأنها مفروضة، وليس لأنني مجبر على تقبلها، ولكن لأنني أحاول أن أكون متواضعا أمام الأسرار. وفي العمق، فإن جميع الأديان لديها دوغما خاصة بها والتي هي نماذج متعددة لأكثر الأسرار سرية وغموضا. وهذا بالنسبة لي يبدو جميلا، لأنه لا يصحّ أن شيئا لا أفهمه عقليا يعني أنه ليس حقيقيا. الأسرار موجودة.
- ولكن ألا تجد الأمر إشكالياً في أن هذه الدوغما التي قبلتها كطريقة للتواصل مع الحدس، قد جاءت أيضا من مؤسسة تسببت بمحاكم تفتيش تحركت ضد كل من لم يقبل تلك الدوغما؟
نعم، وجاءت أيضا من كنيسة ما تزال تنكر حق النساء بمساهمة كاملة في الأكليروس الكهنوتي.
- ورغم ذلك، فلا مشكلة لديك...؟
لا. لأنني أعرف كيف أميّز بين جوهر الدين وبين تصرّفات أتباعه الذين يمكن أن يكونوا سيئين أو خيّرين، أو يسيئون للدين نفسه. أرى الدين مجموعة من الناس يعيشون حياة جسدية تتطور وتتضمن جميع سماتها التعيسة والسامية على حد سواء.
- إذا فهمتك على نحو صحيح، ما تتوسله من الدين هو الأسرار والاتحاد بين المؤمنين.
نعم. أنا مهتم بالناس الذين يؤمنون بتلك الأسرار، وليس بمن يحتفلون بها. وهذا يحتمل عدم الاحترام. الأسرار أعلى من أولئك الذين يحتفلون بها. في أمثولة السامري الخيّر وبّخ المسيح فعلة اللاوي الذي مرّ برجل جريح ولم يتوقف. اللاوي كان رجل الدين في ذلك الزمن، وعلى النقيض فقد بارك يسوع السامريّ الذي ساعد الرجل الجريح، والسامريّون في ذلك الوقت كانوا هم الملحدون.
- أنت تشدد على أنه ينبغي للإنسان أن يتبع طريقا روحية، أيا كانت هذا الطريق، لأن الانسان لن يكون ممتلئا بالسعادة مع وجود الأشياء المادية فقط أيا كانت متعتها. ولكن ألا تعتقد أن الخوف أحياناً يقود الناس للجوء الى الروحانية؟
لا، لماذا؟ في كل العصور بحث الإنسان عن المجهول، عما هو غير جليّ وأساسي وملموس. لقد بحث الناس بآلاف الطرق، وأخطأوا أحيانا في المواءمة والانطلاق، لكن أفضل الرجال والنساء كانوا على الدوام يحجّون بحثا عن المجهول.
- وعلى وجه الدقة، لأن الحقل الذي اكتشفه الإنسان ما يني يتسع أبداً، فقد انصرف للبحث عمّا بقي مجهولاً أيا كان ما اكتشف، أليس كذلك؟
بالضبط. ما يحدث هو أننا أحيانا نعيش في شَرَك مغالطة اليوتوبيا: اليوتوبيا الماركسية حاولت تغيير كل شيء عبر تغيير بنية المجتمع والتخلص من الرأسمالية، لكنها لم تستطع ذلك. هناك يوتوبيا أخرى وهي الفرويدية والتي استتبعت علاج الروح بالعودة الى الماضي. أما اليوتوبيا الثالثة فهي مذهب المحافظين والذي حاول حلّ كل شيء بترك الأشياء كما هي على حالها. الآن كل يوتوبيات القرن العشرين هذه قد فشلت، على الأقل في جلّ أفكارها.
- ما هو البديل؟
البحث العظيم، السير باتجاه مكان ما يزال مجهولا حتى الآن، بحر غير مكتشف مليء بالمخاطر والخدع، بمرشدين ومعلمين يريدون أن يفرضوا علينا رؤاهم للعالم والأشياء.
أنت قلت سابقا إن الناس أحيانا يمضون نحو المسعى الروحاني بسبب الخوف، ولكن بسبب الخوف أيضا يبقى الناس جالسين على الشاطئ من دون محاولة أي شيء.
الانسانية على مفترق طرق. فمن جهة ثمة خط المذهب المحافظ المألوف، البلورة، التنظيم القانوني، الفرض، الدين بوصفه نظاما قانونيا للقيادة. فيما من جهة أخرى ثمة الغابة السوداء، الجديد، المجهول، الثقافة الابداعية الحقيقة، البحث عن أسئلة ما تزال أجوبتها ممكنة، قبول الحياة كمغامرة روحية.
- أحد منتقديك يزعم انه في القرن الجديد والألفية الجديدة لن تعود ثمة حاجة الى كتبك مطلقا.
غريب! نهاية القرن لا تغير شيئا بالنسبة لي، إنها تقليد متعارف عليه. وسرعان ما سنكفّ عن الحديث حول الألفية الجديدة، لأننا سندرك أن شيئا لم يتغير وأن الأشياء بقيت على حالها. هؤلاء الذين ينتقدونني ربما توقعوا أن شيئا خاصاً سيحدث، بينما كنتُ متأكداً أن لا شيء سيحدث. المشاكل التي كانت لدينا منتصف تلك الليلة، ما تزال هي نفسها لدينا في أول يوم من الألفية الجديدة. الكون ما يزال متواصلاً، والناس ما تزال لديهم المخاوف نفسها، والآمال والرغبات نفسها في مواصلة البحث عن شيء يروي عطشهم للمطلق الذي لم يغادرهم أبدا طوال جميع هذه القرون، وهو الحافز للبحث ما وراء المجهول.
- بالعودة الى موضوع السعي الروحاني، هل صحيح فعلا أنك تراه مغامرة روحية عظيمة؟
إنه مغامرة عظيمة. أمتع شيء نحصل عليه. في العام 1492 كانت كل المؤشرات في مدينة غرناطة - التي وجدتها ساحرة جدا- تقود البلاد باتجاه إفريقيا، غرناطة كانت للتو قد أعيد السيطرة عليها. لقد كانوا قد طردوا أبا عبدالله الصغير آخر ملوك المسلمين، فما هي مغامرتهم التالية؟ أعبر المضيق واتجه الى إفريقيا، لكن رجلا كان هناك حضر حصار العربي الأخير قال: أي إفريقيا؟ نحن مسبقا نعرف إفريقيا، أريد مالاً لأذهب إلى جزر الهند . ما الذي تقصده بجزر الهند أيها الرجل؟ .
إفريقيا كانت الخيار المنطقي، ولهذا أكره بشده أتباع المنطق. أنا أفضّل فلسفة التناقض الدلالي والتي غالبا ما تنتصر على المنطق والأدلة. في الواقع ذلك الرجل، كريستوفر كولمبوس، كان هناك تلك السنة ولم يرد أن يؤجل الأمر للسنة اللاحقة، ولم يقم بذلك في السنة السابقة.
لقد قام بذلك في السنة نفسها لاسترداد مدينة غرناطة. وفي الثاني عشر من تشرين الأول من العام 1492 نفسه أبحر كولومبوس الى أميركا، وتحولت كل طاقة إسبانيا المتدفقة باتجاه مجرى القارة الجديدة، مع أنه منطقيا كان ينبغي لتلك الطاقة أن تفيض باتجاه إفريقيا.
- وشكرا لذلك، ها نحن هنا.
ربما. لا نستطيع الجزم بذلك. ولكن تاريخ إسبانيا سيكون مختلفا بالتأكيد. وفي حقيقة الأمر فإن رجلا مغامرا عنيدا - وليس نظاما سياسيا ولا منطقا عسكريا- هو الذي كان قادرا على تغيير مجرى كل شيء يحلم به ساسيو هذه الأيام.
أشياء كهذه تغيّر العالم. وفي هذه الأيام، الشيء نفسه ما يزال يحدث على نطاقات واسعة وضيّقة. قطعا إنه أكثر صعوبة الآن أن يغير رجل واحد اتجاه العالم. ولكن حين يجتمع جميع اولئك المغامرين الذين ما يزالون يؤمنون بالبحث عن المجهول، بأولئك الذين يمضون بطاقة أرواحهم، فإنهم سيصلون أخيرا إلى خلق كتلة حرجة قادرة على تغيير الأشياء. إنهم يبحرون عبر البحار المجهولة، وهم في النهاية من سيغيرون - فجأة ومن دون أن يعرفوا كيف- اتجاه رياح التاريخ.
- هل من السهولة التعرف على هؤلاء المغامرين الروحيين وسط الحشود، أولئك القانعين بكفاف خبزهم اليومي؟
نعم. لأن عيونهم تشع بضياء الحماسة. كتبتُ كتاباً بعنوان دليل مقاتلي الضوء ، وهو يتناول الناس العاديين الذين ما يزالون يؤمنون بالمجهول. إنهم معلّمون من دون أن يكونوا معلّمين. الحقيقة هي أننا الآن جميعا عاجزون ومعلمون معا طوال النهار، مثل ذلك الغريب الذي نبهني الى موقف ضباط الشرطة تجاه الرجل الجريح عند شاطئ كبنانكا. لقد كان معلمي لأنه جعلني أدرك أنني أستطيع عمل شيء لأنني برازيلي. جميعنا معلمون. مقاتلون من أجل الضياء، المغامرون الروحيون الجدد يعرفون بعضهم بعضاً لأنهم يمتلكون كل العلل والتكبّر ومشاعر الذنب التي يملكها الفانون؛ ولكنهم في الوقت نفسه يملكون شيئا آخر وهي هذه النار التي في عيونهم. إنهم يختبرون الأشياء والحياة بحماسة، مع ذلك لا يشعرون أنفسهم مختلفين أو مميّزين.
- هذا تحد ضد الانهزامية والعزلة اللتين تغزوان الانسان المعاصر والذي يعتقد أنه لم يعد ثمة مجال لفضاء جديد خارج المغامرات الاعتيادية.
نعم. لأنهم يعلمون أنهم ليسوا وحيدين. أعتقد أن واحداً من أسباب نجاح كتبي- والذي يصعب على الكثيرين فهمه- أنها تعتمد على مساعدة هؤلاء المغامرين الروحيين لمعرفة أنفسهم بأنفسهم، لأن كتبي مليئة بالبشراء. لم أكتب عن البشراء إلا ضمن فقرة واحدة فقط في الخيميائي ، ولكن الجميع يفهمون بالضبط ما أتحدّث عنه.
- ولماذا ذلك؟
لأننا جميعا موجودون داخل الذبذبة نفسها. الكاتب هو مجرد زميل آخر في هذه المغامرة. ما الجِدّة التي تحتويها كتبي؟ لا شيء. ما الذي أتشارك به مع قرائي؟ حياتي وتجاربي. ولهذا فإن قارئا في اليابان - والذي يواجه ثقافة مختلفة جدا عن ثقافتي- يخبرني: أنا مسبقا أعرف ذلك، لم أختبر الأمر على مستوى الوعي، لكنني شعرت كأنك كنت تتحدّث عني .
الآن وبخصوص روايتي فيرونيكا تعتزم الموت والتي تعالج موضوعتي الجنون والانتحار، فقد استنسخت من المخطوطة عشر نسخ وأعطيتها الى أناس متنوّعين ليقرأوها، ولدهشتي فإن كل واحد منهم كان قد عرف محنة الجنون أو الانتحار عبر أحد أفراد عائلته. وقد وصلني فاكس من إنجلترا يقول: لقد استلمت كتابك وأعجبني، أعتقد أن المرة الوحيدة التي شعرتني فيها بعيدا عن الله هي اللحظة التي قررت فيها أن أقتل نفسي، لكنني نجوت ، وكان الفاكس موقعا باسم إميليا. حسنا! إميليا امرأة عملت معي طوال عشرين عاما، ولم يكن لدي فكرة أبدا أنها حاولت الانتحار من قبل.
- بكلمات أخرى، الكاتب يشكّل مادة محفزّة لتجارب الآخرين.
نعم، مادة محفّزة، وليس عنصراً تحويلياً. وظيفة المادة المحفّزة هي على وجه الدقة ليست التمازج مع العناصر، ولكن السماح لها بأن تصبح ظاهرة وجليّة. الناس يكتشفون الأشياء وهم ماضون في حياتهم. مثلا شخص يدرس القانون، لكنه يميز أن الآخرين يحبون البستنة. لقد وصلتني آلاف الرسائل من أناس يودون تغيير مهنهم وتكريس أنفسهم للبستنة. بعضهم يقول إن عائلته تعتقد أن أفضل مهنة هي الهندسة، لكن هو يود لو أن بمقدوره العمل في البستنة، حيث الهواء النقي والاتصال بالطبيعة.
- كل هذا جميل. ولكن هل خطر لك من قبل أن أحدا يمكن أن يفشل في سعيه لاتباع رسالتك؟
نعم. أنا.
- هذه مجرّد نكتة!
حسنا. الآن فلنضع المزاح جانبا. في الحقيقة أنا لا أبعث رسائل الى أي أحد. في كتبي أنا فقط أخبر عما جرى لي في حياتي. أقول فقط أن ذلك حدث معي، ولكني لا أضيف: افعل الشيء نفسه .
لا. أنا أتحدث عن مأساتي، أخطائي، وكيف تشكّلتُ من خلالهم، ولكنني لا أقول ان ذلك حل ينطبق على الجميع. لأن كل حياة هي تجربة مختلفة وشخصية. وفي الحقيقة لو صففنا جميع الكائنات البشرية في الأرض، لما وجدنا اثنين يتطابقان.
لا أؤمن بالرسائل الجماعية، أنا أؤمن بالتحفيز، بالعنصر المهيّج. على سبيل المثال، أنا أحاول -عبر تجربتي الخاصة- إيضاح أن الفشل ليس هو الحال نفسه حين تكون مغلوباً. الفاشلون هم من لا يستطيعون حتى أن يخوضوا معركتهم، والمغلوبون هم من يقدرون على النضال، وهذه الهزيمة ليست عيباً، بل يمكنها أن تكون مقدمة لانتصارات جديدة. وكما قال خوسيه ساراماغو في كتابكَ الذي حاورتَه فيه (حبّ ممكن): لا وجود لشيء اسمه هزيمة نهائية أو نصر نهائي، لأن هزيمة اليوم قد تصبح نصر الغد .
- في إحدى مراحل هذا الحوار قلت إنك تشعر بالمتعة حين تتصل بمركز الطاقة. ما هي المتعة بالنسبة لك؟
إنها ليست أمراً بسيطاً. لقد بحثت في السادو-مازوخية. المتعة أمر معقّد الفهم، لأنها أحيانا تأتي من الألم. أنا عادة لا أستخدم الاستعارات، وبحسب ما يقول بورخيس فثمة أربع استعارات حقيقية فقط، وسأستخدم واحدة منها: بالنسبة لي، المتعة معركة خير ، وهي أمر مختلف عن السعادة. أنا لا أقرن السعادة بالمتعة. الفكرة التي أحملها عن السعادة مملة جدا: ظهيرة يوم أحد حين لا يحدث شيء.
يتحدث كتابي دليل مقاتلي النور عن نضال وكفاح وحماسة أن تخوض معركة من أجل شيء تؤمن به. تنجح أحيانا وتفشل أحيانا أخرى لا يهم، المهم هو النضال من أجل شيء تُحدِثه تسببّه، هذه هي بالنسبة لي متعة الحياة. لذا دعنا نقل إن المتعة هي كل ما تقوم به بحماسة في الحياة، والذي يمكن أن يتضمن الألم والمعاناة، ولكن ذلك لا يلغي المتعة العميقة لمعرفتك أنك تناضل من أجل شيء تحبّه.
- ومع ذلك فإن الناس يسعون خلف سعادة غير مؤلمة.
أعتقد أن ذلك فخ. السعادة سؤال بلا جواب، مثل سؤال: من أنا؟ . هناك أجوبة عديمة النفع. ومع ذلك فإن البشرية قضت آلاف السنوات تبحث عن سعادة خيالية وبلا معنى. لسعادة بالنسبة لي تجريدية جداً، ولأقل لك الحقيقة، لم يحدث أن كنت سعيدا أبداً.
- حتى عندما يصدر كتاب جديد لك ويباع مثل كعك ساخن؟
لا. أنا أنفعل، إنها لحظة توتّر وتحدّ، وهذا يهزّني، لأنها ثمرة معركة خضتها، ثمرة التضحية بالذات، ولكن سعادة! لا. السعادة هي أن أقول: أوه.. حسنا لقد نشرت كتابا ناجحا، وأنا الآن كاتب مكّرس! ، وهذه ليست الحقيقة. أنا شخص قانع بإنجازاته وإخفاقاته، بمعاركه التي ربحها والأخرى التي خسرها وبهزائمه أيضا، ولكنني مبتهج دائما ابتهاج مصارع الثيران. وحقيقة أنا معجب بمصارعة الثيران، رغم معرفتي أنها سياسياً الشيء الأكثر خطأ في العالم.
- ولكنها لا تعجبني.
حسناً.. إنها تعجبني. لأنها اللحظة التي تقابل فيها الموت والحياة وجها لوجه. لا مجال هناك للفلسفة، لأن واحدا من اثنين سيمضي الى الموت، إما المصارع أو الثور. ولأجل هذا يقول المتحمسون إن واحدة من الخصائص التي ينبغي توافرها لدى كلا الاثنين -المصارع والثور على حد سواء- هي البهجة، ولكن بهجة الثور ليست مفيدة للحلبة.
- ولكن الثيران تنتهي الى الموت أكثر مما يموت المصارعون.
صحيح، ولكن المصارع يموت أحيانا. انه يعرف تماما إنه يخاطر بحياته في كل مرة يدخل بها الحلبة، ولأجل ذلك يؤدي الصلاة عادة قبل أن تبدأ المصارعة، بالنسبة لي حين يبزغ كتاب جديد، فإن ذلك يشبه أن أرمي نفسي داخل الحلبة. أكون قانعا حتى رغم معرفتي بخطورة ذلك. قانع لأنني أتقبل التحدي الجديد، أناضل لكي أحقق ذلك، أكون قد دخلت الحلبة وأنا أعلم أنني يمكن أن أهزم، وأنهم يمكن أن يصلبوني، ولكنني أشعر بالبهجة لحظة امتلاكي ما أنا بصدد إظهاره للعيان: ولادة كتاب جديد.
بالنسبة لي، الحياة تشبه مصارعة الثيران، ينبغي أن أواجه ثور مسؤوليتي في كل لحظة، وأنا لا أعلم فيما إذا كنت سأنجح أو لا. كل ذلك يمنحني البهجة، ولكن ليس السعادة.
- ما هي عدم السعادة إذن بالنسبة لك؟ متى تشعر أنك غير سعيد؟
أشعر أنني غير سعيد في لحظات الجبن تلك، حين أبحث بطريق غير مريحة جدا، وبصياغة تناقضية، أنا أشعر أنني غير سعيد حين أبحث عن راحة السعادة.
- لقد قلتَ إنك تعدّ نفسك شخصا يحبّ الحالات المتطرفة. وفي هذه الحالة، فإنك لن تحب إيقاع السلام المنتزع أيضا، إذا كان ما تفضّله هو بهجة النضال.
بالضبط. لم أبحث أبداً عن الانسجام في حياتي، أعتقد أن الحياة تنتهي لحظة أن تتوقف عن النضال وتقول: لقد وصلت ، تلك ستكون سعادة لم أحببها ولم أبحث عنها. اسمع خوان! لقد شعرت بذلك مرتين أو ثلاث مرات في حياتي، اي أن أبدو سعيدا، ثابتا في آخر الطريق؛ لكن ذلك لم يدم طويلا، لأن القدر سرعان ما منحني ركلة حرّكتني مجدداً.
(هذا الحوار مقتطف من كتاب بعنوان اعترافات حاج يصدر قريبا عن دار أزمنة للنشر والتوزيع).
* شاعر أردني








