حسين جلعاد *
هاتوا لي حسين
يَ حسين!
أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمداً رسول الله
قلتَ ولم تنتظر
كأنّا قضينا العمر
ننادي بعضنا عن بعد
عشر دقائق بين المكالمتين
لم نجد ساعة
لنحتسي قهوتك
صباح الجمعة
خلف الدار
الآن
لديّ عمر بأكمله
لأبكيك
***
في يومكَ المشهود
مسّتْ يدُ الله قلبي
الخلق عيالي ، قال
ولم يعبأ
أني نسيتُ الوضوءَ والصلاة
كنتُ أسودك
وكنتَ أبيضي
لصورة واحدة
كأنّك أبوك
تقول العجائز
وهنّ يسبّحن الله
في العزاء
وينتحبن
***
سينزل الموت عن كتفي أخيرا
ويجلس قربي
مثل صديق قديم
لم يعد ثقباً مرعباً في المجهول
بل محض قشعريرة وارتجاف في العينين
كلّما مرّتْ بعدكَ الجنائز
أو استوقفني الجار العجوز
بتحديقة مبهمة
وهَمّ يسألني عن أنين خفيض
يسمعه طوال الليل
***
ما لقلبي هشّ بعدكَ؟
وتمتلئ عيناي بالغبش
كلما ضلّ عصفور في أقصى الأرض
أو بكتْ قطة في الجوار!
دمعكَ الذي طالما داريتَه خلف الّلثام
كي لا تراه المرأة والأولاد
يعود لي الآن
أدري
وخزتكَ الغيبةُ بين الضّلعين
حين لم تجد قميصي في خزانة العائلة
وظلّ فراشي على حاله فوق سطح البيت
بارداً لم تمسسه يد
ناري مشتْ خلفي فلا تقلقْ بعد
بمصائبي التي تطيح بأعناق الرجال:
صورة عبد الناصر
يوميات غيفارا
ما العمل؟
لينين وناديجدا كروبسكايا
دفتري الأسود
كرّاسات الثوريين التي تجدها تحت وسادتي
مواعيدي المبهمة وعودتي آخر الليل
تاريخ الإلحاد
وشتائمي التي لا تخرج من أفواه البدو
حتى الغجرية التي خفتَ أن أخطفها وآتيك منها بالأحفاد!
الحبّ ثقيل يا أبي
فلا تعبأ بعد بالفتى الذي يسوّد الوجه
أترى الحشدَ الذي غادر البيتَ بذهابي!
***
وكنتَ كلما أشعلتُ الحرائق بعد موت الأم
تقول: الغائب حتى يعود
وحين انقصفتُ عن جذعكَ أخيرا
ولم أعد
أغمضتَ عينيكَ ببطء
وأدرتَ الوجه
لم ترفع يداً أو تتحسّس عقالك
أغلقتَ الباب فقط
ولم أفهم
ذهبتُ في الغضب ألوّح بقبضتي للنجمات/
الزهور التي تمسّها الريحُ برفق قربَ مرقدكَ الآن
تهمس بالرسائل:
الغضب يُنسى
الحبّ لا يُنسى !
***
كم ضعتُ في حياتك
وما زلت
لم أجد غارَ النبيّ خلف الجبال
ولا الريشَ بعد جبريل
أتذكر!
الأمّ الصغيرة تفقد الوعي
والرّعاةَ حين جاءوا بي
من رجم الغول
يضعونني في خُرْجِ الحمار
مع الخبز اليابس واللبن
فشددتني من أذني وقلتَ: مكة بعيدة يا ولد!
والأم تدقّ صدرها على الصغير الذي
سيمشي كالجدّ خلف الفراشات ويحرق النّهر
فيجنّ في الليل رصاص اليهود
ولم تكن حاضراً في ظهيرة الجدة
حين أطعمتني غجريةٌ موشومة اليدين
سكّر المكعّبات، ومدتْ كفّيها وقالت: ابصق!
- مْهَبوله!
صاحتْ الجدة وهي تضمّني بعيداً عن العينين السوداوين وخرز الأنف
ولا تعرف الجدّات أن الغجر يعودون في الصباحات التالية
وجدتْني ألعب تحت الزنزلخت، ولم أخف
أطعمتني توتاً أحمر، شمّتني، قصّتْ قذيلتي وتمتمتْ:
يَ مهيرتي باكر تطيرين
ثم ذرّتْ شعري مع الريح، شمّتني ثانية، وغنّتْ:
يَ مهيرتي لون الذهب
لون الذهب يَ مهيرتي
الليله ذي شوقي ذهب
عقب الفجر يَ مهيرتي
بالليل يا مشيه أبد
كلّ العمرْ يَ مهيرتي
عباته الْ تلمع قصب
وينسى الدرب يَ مهيرتي!
* شاعر أردني







