عمان - أحمد الطراونة - قال رئيس الجامعة الاردنية د.خالد الكركي : لقد أدركنا أن المعرفة هي السلطة الأولى في الحياة، وأن الحرية هي شجرة الخير والتقدم، وأن الأمن الوطني مسؤولية جماعية لا بد من عرض أفكارها على الناس، جمهورهم ونخبتهم حتى يصبح النضج الوطني عارما وسمحا ونبيلا. وأضاف الكركي، في المحاضرة التي ألقاها في كلية الدفاع الوطني الملكية الأردنية : لقد ظلت معاهد قواتنا المسلحة، منابر للحوار الراقي في زمن معقد من حولنا اشتد فيه حضور الصمت، وغياب الكلام، وشهدنا فيه أفول الايدولوجيا، وادعاءات نهاية التاريخ، وسطوة الظلم، وهيمنة إمبراطورية جديدة، والسطو على الدول والشعوب في رابعة النهار.
وقال د. الكركي:إننا الآن وبعد خمسة وثمانين عاماً نعي الرؤى التي شكلت انبثاق الدولة، وحكمت مسير الحياة، وشكلت الايدولوجيا الوطنية، وندرك موقعنا في الإقليم على اتساعه العربي والإسلامي، ونعرف ما الذي ينفع الناس ويمكث في الأرض، ونعي أيضا أن الفردية قاتلة، ونقص الوعي طريق إلى الهاوية، وغياب النزاهة علامة على الظلم والفساد، والخوف هو أكبر الأثافي الثلاث أو العشر... لأن قدور زماننا هذا تحتاج الكثير كي تصمد فوق النار التي تحولت إلى رماد بارد.
واشار اننا محكومون أولا بالجغرافية، والجغرافية ظلّ الله على الأرض كما يقولون، وهي لنا وطن على هضبة خالدة، وبحر لا حياة فيه، وغورٌ وبادية تشكل معبرا للحضارات التي ظلّت تغدو وتروح بين الجزيرة، ومصر، وبلاد الشام، تستقر أحيانا، وتطردها التحولات بعد زمان قريب أو بعيد، ونحن محكومون ثانيا بالتاريخ الذي شكله الناس فوق هذه الأرض (الأدومي، والعموني، والمؤابي، والغساني، والإسلامي، من زمن الفتح الأول الذي شهدت الدنيا صدامه التاريخي في مؤتة، واليرموك، وصولا إلى حطين، وعين جالوت، وزمن الكرامة القريب). ونحن محكومون ثالثا بالشيفرة الأساسية للبشر الذي يسكنون في هذه الجغرافيا، ويحملون عبء التاريخ، ويرثون ما نسميه الماضي ، ووفق هذه العناصر الأساسية فإنه ما من وطن معزول عن التحولات وراء حدوده، أو قادر على الانكفاء عما يجري في العالم.
وأكد الكركي أن الناس هم جوهر السؤال وروحه، بل هم أصحاب الحق في الجواب على سؤال المطلب الوطني، أعني مصالحهم في دولة تشكلت إيديولوجيتها من روح السلام، وجمر العروبة، ومروءة الناس الذي تجمعوا قبل ما يزيد على مئة عام عند نبع عمان، واختاروا وحدة الروح التي جمعت ابناء البلقاء، والكرك، والسلط، ومعان، واربد، وعجلون، والمفرق، في حواضرهم وبواديهم، في زمن التحول الصعب من العثمانية إلى العربية ثم إلى الأردنية.
وقال:إن البداية في زمن الإمارة الأول والدولة الأردنية الأولى كانت : نقش على خنجر بدوي، وحرير دمشقي، وحنين عراقي، وحزن مقدسي، وسيف شركسي، وقارئ حجازي ... وحول عمان أسوار من أضرحة الصحابة والشهداء ، وقصور من زمن بني أمية، وكتابات من زمن بني أيوب، وقلاع من آثار بني عثمان ...
مشيرا إنه الأردن : وحدة الروح، والجرح، والرؤية، والسيوف، وقد تشكلت الشخصية الوطنية من العوامل الراسخة في الكيان الجديد ... حلم قومي، ودولة أردنية عربية، وهاجس ديمقراطي، وحماسة للدفاع عن الأمة حتى صدق فيهم قول كثير :
إذا قيل خيل الله يوماً ألا اركبي
وددت بكفّ الأردني انسيالها
وقال الكركي : السؤال إذن عن فكر الدولة الأردنية، الإمارة ثم المملكة، في اتحادها مع الضفة الغربية أو في اتحادها الهاشمي مع العراق، في حضورها العربي، وأفقها الإسلامي، ووقوفها اليوم صابرة، وهي تحدق في جراح كثيرة غائرة أشدّها في جسد الأمة، جرح العراق، وجرح فلسطين، وزمان يذبحها فيه العطش الذي ذبح البتراء الأولى، ويوجعها فقر الناس الذين تحسبهم أغنياء من التعفف ، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، لعل الأردنيين قد أنجزوا ما يضيف إلى شرعية دولتهم الكثير، أعني، الوعي المعرفي، والفكري، والثقافي الذي يعوض الركيزة الثالثة الغائبة من ركائز تشكيل الدول، وهي الثروة، وتلك الركائز هي المعرفة، والقوة، والثروة.
وبين الكركي أن مصالح الأردن ظلت مرتبطة بأهدافه العليا، وهذه الأهداف ذات مستويين : الأول أهداف وطنية في حدود المملكة الأردنية الجديدة، في نهايات النصف الأول من القرن العشرين، والثانية أهداف قومية وإسلامية في حدود الحلم المضمخ بزمن فيصل بن الحسين العروبي في دمشق، وفي بهاء آخر بيعة للخليفة يوم بويع الحسين بن علي بها في عمان في منتصف العشرينيات. مؤكدا أن من مصلحتنا أن نظل على انفتاحنا الكامل على الأمة، وحلمنا بالوحدة أو الولايات العربية المتحدة، وأن نحصّن الصورة القومية للثقافة، لأنه ليس لنا موئل خارج الأمة، لا في الشرق أوسطية ولا المتوسطية ، ولا في العولمة ، وادعاءات الفضاء الواحد، إنني لا أضع حدا فاصلا بين الحلم، والواقع، أو بين الرؤى والحقائق، أوبين المصالح الوطنية التي تحكم القرار السياسي، وتشكل الاتجاه الاجتماعي والاقتصادي للوطن وبين الطموحات الفكرية ذات المدى البعيد ... فنحن ابناء أمة واحدة.
وقال الكركي : إذا كان التاريخ هو الثابت الاستراتيجي في رسم الاتجاه العام للدولة، وتحديد رؤيتها، فإن الثقافة هي الرؤيوي الذي يلتمس أشكالا من الحوار والفن، والتقاليد تدفع بالاستراتيجي إلى فضاء الناس، أما المتغير فهو السياسي ، الذي يملك هامشا واسعا من المناورة والتكتيك شريطة أن لا يبدل التاريخي، ولا يمنع الرؤيوي من حقه في الرفض والتعليق والاستشراف.
وأشار الكركي، الى أن مطالب الوطن او مصالحه يمكن أن تحدد على النحو الآتي : وضوح الرؤية الفكرية من سيادة الدّولة وحماية مصالحها، وصفاء المواطنة، وتعزيز النهج السياسي الاجتماعي التقدمي، خارج الشعارات والتمنيات، والأمن الوطني وحمايته أرضا، ووحدة روح وهدفاً. وخاصة في هذه المرحلة المشتعلة بالتحولات والنوايا غير المعلنة، وفي منطقة ملفاتها المفتوحة على كل الاحتمالات، وتأكيد الإنجاز، النموذج الذي منح المسيرة الأردنية سماتها، وأول هذه السمات قبول التحدي الحضاري بكل ما يتصل به من احتمالات، وما يحتاج إليه من انفتاح ووعي،والإصرار على مناخ التسامح الوطني، والصلة القومية، والانفتاح على الآخر المغاير،والتأكيد على قاعدة الاعتماد على الذات، وإعادة النظر في السياسات والتشريعات التي تتصل بالتنمية البشرية والثقافية والاقتصادية، وحماية الطبقة الوسطى، وإعادة الاعتبار لها، وحماية الجيل الجديد من أمراض التعصب، والعنف، والإنغلاق، والانفلات، وردّه، بالحوار والتعليم والإعلام، إلى التمسك بصورة الدولة الأردنية.
وأضاف : قد تبدو هذه أهدافا وغايات، لكنها هي التي تحكم مصالح الوطن العليا التي تشكل علامات إرشادية للناس، وهم في غمرة التحولات، لذلك فان المطلب الوطني الأول سيظل حماية الدولة، وإنجاز مجتمع الحرية والعدل، والالتزام الشعبي، الوجداني بالمستقبل.
ونبه الكركي الى ان الفكر السياسي الأردني أمام معضلة صعبة، فقد غاب فكر الثورة العربية الكبرى عن واجهة المشهد الايديولوجي، وصار مناسبة نحتفل بها كل عام، ودخل إلى المشهد الوطني أفكارا أخرى، وأضاف: إن شرعية الأردن في نظامه ودستوره، وفي صبر أهله وعنفوانهم عند الشدة، لا في هذا الاهتراء الذي يسود المشهدين السياسي والإعلامي، ولا في هذا النفاق الذي يجتاح مناطق من حياتنا واسعة ومهمة.








