حاورته سميرة عوض - يعد الكاتب عبد العزيز السريع أحد الأعلام والثقافة والمسرح ليس في الكويت فقط وإنما في الوطن العربي.
والسريع صاحب رؤية تنويرية يترك بصمات واضحة في كل عمل شغله في المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، وفي مهمته كأمين عام لمؤسسة جائزة عبد العزيز البابطين للابداع الشعري التي بدأ رحلته معها منذ عام 1991 فسعى للارتقاء بمسيرتها وبمجمل أدائها.
ألف السريع العديد من الأعمال التي ساهمت في تأسيس صناعة المسرح في الكويت ودول الخليج، أخرجها كلها صديقه صقر الرشود، ومن تلك المسرحيات: فلوس ونفوس ، الجوع ، حفلة على الخازوق ، عنده شهادة ، ضاع الديك ، الدرجة الرابعة وغيرها.
التقت الرأي ، ضيف شرف مهرجان المسرح الاردني الخامس عشر وأحد أبرز المكرمين في دورته العربية، شرعنا معه أبواب ذاكرته المسرحية الغنية، فكان هذا الحوار الذي أستعاد فيه السريع ذاكرة المسرح العربي.
؟ كيف ترى فكرة المهرجانات المسرحية، ودورها في الحراك الثقافي العربي؟
فكرة المهرجانات بشكل عام فكرة طيبة، خصوصا، ونحن بالبلاد العربية مسبوقون في هذا المجال، فعلى سبيل المثال أوروبا نهضت في كثير من المجالات عبر تسليط الضوء على جهود المبدعين والمسرحيين. ولدت المهرجانات بشكل مبكر في الدول الغربية، وما تعرفنا عليها في العالم العربي إلا عام1932من خلال مهرجان الموسيقى في القاهرة، والذي تجمع فيه موسيقيون عرب، وما تزال تسجيلاته مدهشة ومثيرة لغاية يومنا هذا، لكنه إنقطع لفترة طويلة.
أول مهرجان مسرحي
؟ وماذا عن حكايا انطلاق المهرجانات المسرحية في ذاكرتك؟
أول مهرجان مسرحي نظم في مدينة دمشق عام 1969 أو 1970، وأنا ازعم أن هذا المهرجان قدم خدمات جليلة للمسرح، ويكفي أنه جعل الناس يتعرفون على بعضهم، ويطلعون على تجارب بعضهم البعض، ولم نكن لنتعرف على ما في المغرب العربي، أو يتعرفون على ما في الخليج العربي لولا هذا المهرجان.
هذا المهرجان أستمر لفترة بالنهوض بالحركة المسرحية في شتى الأقطار، وأعطى مبدعين تجليات ممتازة، بعد ذلك توقف المهرجان لأسباب غير مفهومة، وتوقف هذا اللقاء.
؟ شهدت العديد من الدول العربية ولادة مهرجانات مسرحية عربية أسهمت في خلق الحراك المسرحي.
هذا صحيح، إذ جاء مهرجان قرطاج، ، في أواخر الثمانينات بدأ مهرجان القاهرة التجريبي بشكل مشجع ثم بدأ يتضعضع، وبدأت أحوال المهرجانات تصاب بنوع من الهرم لتغير الأشخاص.
في التسعينات ولدت مهرجانات مسرحية، منها: مهرجان المسرح الأردني، وبعد فترة أصبح عربيا، كما بدأ عام 1987 مهرجان الفرق الأهلية في دول مجلس التعاون، وكان المهرجان يحرص عل دعوة عدد من المسرحيين العرب من أصحاب الخبرة، فكانت فرص اللقاء والاحتكاك مع تجارب هؤلاء، تثمر فوائد جمة.
؟ نعود للحديث عن المسرح الكويتي وأنت أحد أبرز رواده، ماذا في خزانة الذكريات عن بداياته؟
المسرح في الكويت عندما بدأنا تجربتنا، نكاد نكون بدأنا من الصفر، لم يكن أمامنا إلا نماذج بسيطة ومحدودة قدمت على فترات متباعدة، وعندما تهيأنا لخوض التجربة كنا مجموعة من الشباب الراغبين بخوض هذا الفن الممتع، وتعلمنا من خلال التجربة والخطأ، إلى جوار جهود عميد المسرح العربي الأستاذ الكبير زكي طليمات الذي جاء الى الكويت عام 1960 ، وأسس فرقة المسرح العربي، كما أسس مركزا للفنون المسرحية ومعهداً متوسطاً، ودرب مجموعة من أبناء الجيل الذين أصبحوا بعد فترة هم نجوم المسرح والتلفزيون وحتى الإذاعة. إزدهر المسرح في الستينيات والسبعينات وشهد نهوضا كبيرا، ورأينا خلاله تجليات إبداعات ما تزال حتى اليوم مدار حديث الناس، ولكن بعد ذلك في منتصف الثمانينات بدأ الركود يخيم على المسرح لصالح المسرح الخفيف، أي مسرح النكتة والارتجال.
؟ والآن كيف ترى الحركة المسرحية الشبابية في الكويت؟
باختصار أظن أن المسرح في الكويت بخير من خلال المهرجانات القائمة حاليا، وهي: المهرجان المسرحي المحلي، مهرجان الخرافي للفنون المسرحية، ومهرجان الشباب/ وهي ثلاث مهرجانات سنوية تعتبر المتنفس للمسرحيين الشباب في الكويت، ومن خلالها نرصد ما يحدث للمسرح من تحولات ونفرح بالكثير من الإشراقات والمواهب الواعدة.
؟ حكاية نعود لبدايات انهماكك بالكتابة المسرحية، كيف ومتى بدأت؟
ونا الذي يظل من العمل المسرحي الأول في البال؟ قبل الكتابة للمسرح كنت متفرجا محبا للمسرح وصدف أن تعرفت الى زملائي في مركز العمل، وأخذوني للفرجة على مسرحية يقدمونها فرأيت فيها شيئاً مختلف عما كنت أشاهده حينها، وكانت فرقة مسرح الخليج في طور التكوين وقتها، فشهدت إجتماعاتها التأسيسية المبكرة، ولاحظت أن المشكلة ليست في الممثل فهو موجود، ولا في المخرج، ولا حتى بالفني، إذ وجدت النقص الحاد بالكتابة المسرحية، فسعيت لان أكتب، وبدأت بالتعرف على النماذج المسرحية المتوفرة في السوق، وحذوت حذوها في الكتابة المسرحية، وكنت خائفا من اطلاع أحد على أول نص مسرحي كتبته خوفا من الإحباط.
وعندما قرأ زميلي صقر الرشود أول نص مسرحي، ذهل به، واحتفى به، وقرر أن يخرجه للمسرح، وأرسل النص للرقابة في وزارة الإعلام وأجيز، وكان ذلك عام 1963.
؟ كيف تنسج شخصيات نصك المسرحي ؟
الكتابة ليست على سوية واحدة، ولا كل الكتاب يصدرون عن طريقة واحدة، أنا مثلا تردني الفكرة مشوشة، وليست واضحة تماما، وأبدأ غالبا بكتابة عشر صفحات كمسودة أولى للعمل المسرحي، لا ألبث أن أهملها بعد ذلك.
ليس لدي تصميم مسبق لا على الشخوص ولا على الحدث المسرحي، تتوالد الأفكار بالتداعي والتتالي، طبيعي أن الصنعة والخبرة تجعل الكاتب يحذف ويزيد حتى يصل إلى ما هو مريح، وما يرضى عنه. وفي الغالب لدى كل مبدع صديقان أو ثلاثة يثق برأيهم النقدي، فيعرض عليهم النص المسرحي، ويستمع لوجهات نظرهم لدرجة، انه يمكن أن يعيد النظر في النص، أو حتى إلغاء النص تماما.
؟ قلق العرض الأول زهاء خمسين عاما من الاشتباك مع العمل المسرحي.. كيف تتعامل مع العرض المسرحي الأول.. هل لا تزال على ذات قلق البدايات؟
العرض الأول احضره وأترقبه بقلق بالغ، واتابع العرض المسرحي طوال فترة العرض، والليلة التي يخفق العرض فيها أتأثر كثيرا، والليلة التي يتألق فيها العرض أكون في أحسن حالاتي. وأحيانا في لحظات التجلي والعظمة شعر رأسي يقف من المتعة والتألق اشعر أنني غير طبيعي. هذا الشعور ليس في المسرحيات التي اكتبها فقط، بل حتى في المسرحيات التي تعجبني تعطيني فرحا غامراً غير محدود.
؟ في الذاكرة بالتأكيد في ذاكرتك المسرحية تحتشد الكثير من التفاصيل الحميمة. ما الذي يحضر دائما اذا ما ذكر المسرح، وإذا ما تذكرت مسرحيات، أو حتى رفاق دربك من المسرحيين؟
من مشاهداتي الأولى للمسرح كنت احب وأوكد دائما جملة أرددها، إذ كانت طقوس المسرح قبل رفع الستارة في الخمسينات تقتضي أن يطرقوا ثلاث طرقات، أشعرها كأنها في قلبي، من كثر شوقي لإنفتاح الستارة. شاهدت أعمالا مسرحية، وراقبت في مهرجانات، وحكمت في أخرى، وشاركت كمنتج ومؤلف مسرحي، بكثير من الاعتزاز زميلي صقر الرشود وأعتبره من قمم الإخراج في الوطن العربي.
أتذكر الآن سلسة من الأعمال المسرحية منها على جناح التبريزي ، ضاع الديك ، حفلة على الخازوق . وأتذكر في ذات السياق مؤلفاً مسرحياً مدهشاً الصديق المرحوم الفرد فرج في رسائل قاضي إشبيلية و التبريزي ، و زواج على ورقة طلاق . وأتذكر طبعا عددا من الممثلين الطيب الصديقي المثل المدهش، زيناتي قدسية، والممثل محمد المنصور، وشاهدت بإعجاب عبدالله غيث، ومن العنصر النسائي محسنة توفيق، سعاد العبدالله، حياة الفهد، رندا الأسمر، نضال الأشقر، وعبير عيسى، لا أستطيع وصف مشاعري تجاه ابداع كرم مطاوع في مسرحية الأشجار تموت واقفة ، طبعا هذه أمثلة، لكن ما شاهدته من مسرحيات تذكره في لحظة واحدة.
؟ كثيرا ما تشارك في لجان تحكيم المهرجانات، هل من حدث مميز أو طريف أو غريب واجهك خلال التحكيم؟
ساهمت في لجان تحكيم كثيرة، وكنا نجتهد في إعطاء الجوائز لمستحقيها. هنالك الكثير مما يواجهنا في المهرجانات المسرحية، ومن جملتها مسرحية حمران العيون إذ منحت الجائزة للمخرج والمؤلف والديكور وصانع الإضاءة والصوت والممثلين كبرهم وصغيرهم لم نستطع ان نميز مفردة عن أخرى فأعطينا المسرحية الجائزة الكبرى في مهرجان الخليج في أبو ظبي.
وقبلها في الدوحة الجائزة وجدت نفسها تتجه الى مسرحية باب البراحة من حيث التأليف والإخراج والتمثيل كذلك، لكن الطريف أن الأربعة المتنافسين هم أنفسهم أبطال المسرحية، فأعطيناها لهم الأربعة.
؟ برأيك كيف يمكن الذهاب نحو المسرح الجاد، بعد هيمنة المسرح التجاري؟
أنا لا أقول مسرحاً تجارياً، إذ يجب تغطية الكلفة للممول، لكنني أقول أن الوهم أو التصور الخاطئ بان الناس لا تريد إلا المسرح الخفيف او التهريج هو ما يجعلنا نعطي الناس ما يريدون، لكن شهدنا وعشنا بأنفسنا أعمالاً خطيرة حققت أرباحاً عالية جدا، ليس من الضروري التنازل عن قناعاتك من أجل أن تحصل على مكاسب مادية، من الممكن ضمن قناعاتك أن تحقق مكسباً من خلال معادلة صعبة سهلة. ما نشهده اليوم هو نابع من التصور الخاطىء للموضوع والعائد الى مقولة أن ذوق المتفرج يقود إلى هذا المسرح .
أتحرق لأقول شيئا مسرحيا منذ زمن لم تقدم جديدا للمسرح. هل من أنباء بهذا الشأن؟ أمضيت وقت طويل لم أكتب للمسرح، ولكن طوال هذا الوقت وحتى الآن أتصور نفسي وأنا اكتب شي يضيف لرصيدي، ودائما تواجهني الخشية من الإخفاق أن أقدم ما ينقص من رصيدي، ويقلل من قيمة ما سلف وأن قدمت، فالكتابة احتشاد.. تهيؤ.. ومتعة.. ووقت.. ومحاولة لقول شيء مدهش.. هذا هو المسرح متى ما تهيأ الإنسان بهذه الطريقة، وأنا أتحرق شوقاً ورغبة بان أقول شيئا مسرحيا.
تحية لزملائي في المسرح الأردني وأنت موضع حفاوة وتكريم من مهرجان المسرح الأردني، وأنت المسرحي القدير. ماذا تقول للمهرجان؟ بودي أن أقدم تحية لزملائي في المسرح الأردني، أقدر لهم هذا الإصرار على الاستمرار في المهرجان، والإصرار على رعاية مواهب وتقديم إبداعات جديدة، وتوفير المناخ المناسب، أحييهم جميعا والأجيال الصاعدة الآن، وأتمنى على وزارة الثقافة أن تستمر بدعم المسرح بمختلف الأشكال، وليس المهرجان وحده، هناك طرق مختلفة للدعم، وأعتقد أن معالي الوزيرة السيدة نانسي باكير مهتمة، وبوسعها تخصيص دعم للأعمال الناجحة خلال جميع المواسم، على مدار العام، وهذا ما أتمناه لكل الحركة المسرحية في الوطن العربي بشرقه وغربه.








