هنـــري عزام -دخل العالم في دورة تراجع وكساد اقتصادي قد تكون أطول وأعمق من أي دورة هبوط سابقة سجلت منذ ثلاثينات العقد الماضي. ويتوقع لاقتصاديات الدول المتقدمة بما فيها أمريكا وأوروبا واليابان وغيرها أن تسجل معدلات نمو سالبة عام 2009، في حين أن دول نامية مثل الصين والهند والبرازيل وغيرها ستحافظ على معدلات نمو إيجابية، إلا أن هذه المعدلات قد لا تزيد عن نصف مثيلاتها المتحققة عام 2008. والاقتصاد العالمي ككل قد يسجل معدلات نمو سالبة هذا العام في حدود 5ر0%.
إن الطفرة الاقتصادية التي شهدتها دول المنطقة خلال الفترة 2002- 2008 قد انتهت، إذ يتوقع أن تسجل هذه الدول في عام 2009 تباطؤ حاد في معدلات النمو الاقتصادي، خاصة في دول الخليج، مع خفض مستويات إنتاج النفط وتراجع أسعاره وتأثر القطاعات غير النفطية بالأزمة المالية العالمية وما نتج عنها من شح في الائتمان وتقلص في السيولة. وإذا كان هناك من جانب مضيء في التوقعات المتشائمة للنمو الاقتصادي الإقليمي فإنه يتمثل في تراجع التضخم والذي كان الهم الاقتصادي الأول في عام 2008.
إن الطلب العالمي على النفط يتوقع له أن يتراجع في حدود 500 ألف برميل يومياً عام 2009، بعد أن تراجع في حدود 90 ألف برميل يومياً عام 2008 ليصل إلى 8ر85 مليون برميل يومياً، أي أنه سيعود إلى أقل مستوى له منذ أحد عشر عاماً. وهذه هي المرة الأولى منذ ثلاثين عاماً التي يسجل فيها الطلب العالمي على النفط تراجعاً لسنتين متتاليتين. وضعف الطلب هذا سينعكس سلباً على الأسعار، إذ يتوقع للمعدل أن يكون في حدود 40 دولارا للبرميل عام 2009، أي العودة إلى المستويات التي كانت سائدة عام 2003، بعد أن وصل سعر برميل النفط إلى 95 دولارا للبرميل في المعدل عام 2008، و 72 دولارا عام 2007 و 60 دولارا عام 2006. وتجدر الإشارة إلى أن الإيرادات النفطية في ميزانية السعودية للعام 2009 والتي جاءت في حدود 264 بليون دولار، يقدر لها أن تكون قد استندت إلى تقديرات إنتاج النفط للملكة عند مستوى 2ر8 مليون برميل يومياً في المعدل ومتوسط أسعار في حدود 40 دولارا للبرميل.
من المتوقع أن ينمو الاقتصاد السعودي، وهو أكبر الاقتصاديات العربية، بنسبة تقل عن 1% عام 2009 مقارنة مع 2ر4% عام 2008، وبحوالي 30% منذ عام 2002. وسيؤدي التراجع في إنتاج النفط من معدل 1ر9 مليون برميل يومياً عام 2008 إلى معدل 2ر8 مليون برميل هذا العام إلى تسجيل قطاع النفط لنسب نمو سالبة في حدود 8%، في حين أن القطاعات غير النفطية (القطاع الحكومي والقطاع الخاص) ستحافظ على معدلات نمو إيجابية قد لا تتعدى 5ر2% مقارنة مع 5ر4% عام 2008 و8ر4% عام 2007. فالحكومة رفعت حجم الإنفاق في ميزانية هذا العام بحدود 8ر15% مقارنة بميزانية عام 2008 من أجل الدفع باتجاه تنفيذ البرامج الاستثمارية، كذلك يتوقع أن يتجاوز الإنفاق الفعلي للإنفاق المقدر في الميزانية كما حدث في السنوات السابقة لتسجل الميزانية عجزاً مقداره 3ر17 بليون دولار وذلك للمرة الأولى منذ سبع سنوات. غير أن المملكة تملك أصولاً خارجية تقدر بحوالي 400 - 500 بليون دولار وهي بالتالي في موقع جيد يسمح لها بتمويل العجز المتوقع والحفاظ على معدلات الإنفاق المستهدفة في الميزانية. وفي حين أن القطاع الحكومي يتوقع له أن يحافظ على معدلات النمو المتحققة عام 2008، إلا أن القطاع الخاص سيشهد تباطؤاً في النمو هذا العام بسبب شح الائتمان، وضعف القطاع العقاري وتراجع الطلب العالمي على البتروكيماويات وغيرها من السلع والمعادن التي تصدرها المملكة.
ومن المنتظر أن يتراجع نمو الناتج المحلي في دولة الإمارات إلى حوالي 5ر1% هذا العام مقارنة مع 8ر6% عام 2008، وهو أبطأ نمو لثاني أكبر اقتصاد عربي منذ عام 2000. وسيتفاقم أثر التباطؤ المفاجئ خاصة في إمارة دبي بسبب التصحيح في السوق العقاري والتشدد في الائتمان المقدم من قبل البنوك التجارية وما لذلك من تأثير سلبي على قطاعات الخدمات والتجزئة والسياحة. ومن المتوقع أن تشهد قطر، وهي أكبر مصّدر طبيعي للغاز الطبيعي المسال أسرع نمو بين دول المنطقة ليصل إلى 8%، غير أنه سيبقى أقل من المعدلات المتحققة عام 2007 و 2008 والتي فاقت 12%. ويقدر للنمو الاقتصادي في الكويت أن يتراجع إلى اقل من 1% هذا العام مقارنة مع 5% عام 2008، في حين تقدر معدلات النمو لكل من البحرين وعمان ما بين 5ر2% و 5ر3%.
أما بالنسبة للدول العربية الأخرى فإن تأثرها بالأزمة المالية العالمية لم يظهر بشكل واضح حتى الآن، ولا يتوقع أن تتبلور مفاعيلها قبل 6 أشهر على الأقل، وهي الفترة الكافية لتظهر أثار عودة العديد من العاملين في دول الخليج، أو تراجع مداخيلهم، إضافة إلى ضعف السياحة الإقليمية والعالمية، وتقلص تدفقات الاستثمارات الخليجية، وتراجع المنح والمساعدات الخارجية. كذلك ستتأثر سلباً صادرات الدول العربية غير الخليجية من تعدين وسلع ومنتجات صناعية وسيضعف الطلب على الخدمات التي توفرها هذه الدول (التعليم، تطبيب، سفر، سياحة إلخ..). ولقد استفادت هذه الدول في المدى القصير من تراجع أسعار النفط والذي انعكس إيجاباً على موازين المدفوعات وخفف العبء على كاهل الصناعة والمواطن، فجاءت معدلات النمو الاقتصادي لعام 2008 جيدة ويقدر لها أن لا تقل عن المستويات المتحققة في عام 2007 والتي تراوحت بين 5% و 8% لمصر والأردن ولبنان.
تقدر حجم اليد العاملة الأردنية واللبنانية في دول الخليج بحوالي 350 ألف إلى 400 ألف عامل، أي حوالي ثلث اليد العاملة في هذين البلدين. كما أن معدل دخل الأردني أو اللبناني في الخليج يقدر بحوالي ثلاثة إلى أربعة أضعاف معدل دخل العامل في بلده الأم. وعليه فإن إجمالي ناتج اليد العاملة الأردنية أو اللبنانية في الخليج يفوق مثيله في الاقتصاد الداخلي لهذه الدول، مع العلم أن الأول مرتبط بالثاني بشكل وثيق.
فتحويلات الأردنيين تقدر بحوالي 5ر3 بليون دولار تشكل 20% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن تحويلات اللبنانيين تشكل 19% والفلسطينيين 15% والمصريين 8%. وهناك تخوف من إمكانية خسارة حوالي عشرة بالمائة من العاملين العرب في دول الخليج لوظائفهم وأعمالهم وبالتالي هناك إمكانية أن يعود تدريجياً إلى كل من لبنان أو الأردن حوالي 35 ألف عامل، إضافةً إلى خمسة إلى عشرة آلاف متخرج جديد سوف يدخلون سوق العمل مع انتهاء العام الدراسي في شهر حزيران القادم، وهؤلاء أيضاً لن يستطيعوا الحصول على فرص عمل لهم في دول الخليج هذا العام. لذلك يتوقع أن يكون تأثير الأزمة المالية أكبر وأوضح في عام 2009، ولقد ظهرت بوادرها في الركود الذي أصاب قطاعات العقارات والسفر والسياحة وصادرات المناطق الصناعية المؤهلة والتعدين والتجارة. لذا يتوقع أن يشهد عام 2009 تراجعاً في معدلات نمو الناتج المحلي في الدول العربية غير النفطية ليصل إلى حوالي نصف المعدلات التي كانت سائدة خلال السنوات القليلة الماضية.
إن الدول العربية هي دول متلقية للأزمة المالية وليست مسببة لها. لذلك سيبقى التخوف مهيمنا على أسواق دول المنطقة حتى تعود الأوضاع المالية العالمية إلى الاستقرار، وتعود الثقة إلى هذه الأسواق، وهذا لن يحدث قبل أن تنتهي عملية تقليص المديونية (Deleveraging) من قبل البنوك وصناديق التحوط والاستثمار والتي ابتدأت بشكل مكثف قبل ستة أشهر.
ويتوقع أن يصل الاقتصاد العالمي إلى قاع دورة التراجع الحالية خلال النصف الثاني من عام 2009 ، لتبدأ بعدها عملية ثبات ثم تحسن تدريجية قد تطول أو تقصر بحسب الأوضاع السائدة آنذاك. ومهما حصل، فلن تعود معدلات الإقراض المحلي أو العالمي إلى المستويات التي وصلت إليها سابقاً، وهذا سينعكس على ربحية الشركات. فإذا أصبح تمويل الشركات المدرجة يعتمد أكثر على رأس المال ومستويات مديونية أقل، فلن تتحقق معدلات الربحية السابقة وبدونها سيكون من الصعب أن تعود أسعار الأسهم العربية إلى المستويات التي سجلت خلال السنوات القليلة الماضية.
* الرئيس التنفيذي، منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دويتشــــه بنك






