عمان - ناجح حسن - تستبطن كاميرا المخرج الأردني الشاب فادي حداد في فيلمه الروائي القصير كعب عالي ( 2009)، هموم وتطلعات مجموعة من النساء من شريحتين اجتماعيتين متباينتين، تجمعهما الفجيعة والانكسار تجاه الرجل الغائب /الحاضر .
فالفتاة تنهض بالدور الممثلة لارا صوالحة ، التي يصطحبها صديقها العابث يؤدي الدور الفنان عامر الخفش في سيارته القديمة لممارسة عمليات النصب والاحتيال في مناطق من المدينة، ابان مناسبات تقديم العزاء في السرادق المخصصة للنساء، حيث يبقى الشاب في سيارته بانتظار فتاته التي تقتحم سرادق العزاء، وتشاطر الزوجة وغيرها من النسوة الحديث عن المتوفي بوصفه كان شخصية مقربا منها، الامر الذي يزيد من شكوك ارملته الارستقراطية، وتتبدل فيها مشاعر الزوجة بعد ان تكون قد اكتشفت انه لم يترك لها ارثا سوى الديون.
تعمل الفتاة بأكثر من ذريعة، على التقرب من الزوجة وتاخذ في التجوال داخل البيت، لتنقض على كل ما تستطيع الوصول إليه من مجوهرات ومواد ثمينة في غرفة الزوجة، لتقفل راجعة الى سيارة صديقها بغنيمتها وهما يفكران بضحية اخرى على المنوال ذاته.
قدم حداد كعب عالي الذي انجز ضمن مشاركة مخرجه في ورشة تدريبية متخصصة نظمتها الهيئة الملكية الاردنية للافلام، وخلف هذا الإطار من القصة حول عمليات النصب والاحتيال، فيلما روائيا قصيرا مشغولا بفطنة وذكاء وفي اعتناء دقيق بسائر تفاصيله ومفرداته، حيث أدار بإحكام ما يزيد عن عشرة نساء في أدوار متنوعة ولافتة، وهن في لحظة عزاء في مكان محدود .
حظي فيلم كعب عالي ، الذي احتفل بعرضه الأول في مركز الحسين الثقافي، برعاية وزيرة الثقافة الاسبق اسمى خضر الاربعاء الماضي، بعد تجربتين مماثلتين لمخرجه الشاب في حقل صناعة الافلام الروائية القصيرة هما : سوليتير 2006 و على سيرة البيانو 2008.
وضمن مناخ البساطة والثراء، الذي يفيض بهما الفيلم، يشعر المتلقي بتلك الاجواء الحميمة، رغم طغيان وكثافة اللون الاسود السائد على مجمل الاحداث، الذي تقتضيه حكاية الفيلم في إبراز تلك المشكلات التي تعصف بالمراة في بنية اجتماعية محددة، دون أن يفقد جانب المتعة والبهجة عبر تلك الالحان والاغنيات الشبابية الطافحة بالإحاسيس والمشاعر المتلونة في انشغالات شخصيات العمل في بلوغ مرتبة الثراء بوسائل سهلة يغوص حداد متسلحا بعناصر سمعية وبصرية لافتة، في أعماق معاناة المراة المترفهة على حدي السايكوباتي النفسي، والواقعي من خلال نظرة المجتمع لها، التي تفرضها مقتضيات العيش في شريحتها الاجتماعية، التي لا تخلو رغم زحام مظاهر البحبوحة في الواقع من إفراز شخصيات تعاني من العزلة والخواء العاطفي والإنساني.
تكمن اهمية الفيلم (20) دقيقة في قدرة مخرجه على ايجاد هذا الكم الوفير من المفردات الجمالية والفكرية، سواء في تكويناته التصويرية أو في معالجتها لتطلعات وطموحات شخوصه ، بدا فيها ذلك التوظيف البديع للاغنيات المصاحبة للاحداث، التي تتناغم وقصته التي لا تقيدها حدود الزمان او المكان.
استمد حداد عنوان فيلمه من تحفة المخرج الاسباني بيدرو المودفار كعاب عالية ( 1994)، وكل منهما يغرف من معاناة وأزمات تتعايش فيها عوالم المرأة، رغم ما تبدو عليه من الخارج بانها ذات بحبوحة وسطوة أو مكانة مرموقة في المجتمع، ومثل هذا التأثر ان وجد او كان من قبيل المصادفة، فانه من دون ادنى شك لا يقلل من اهمية فيلم كعب عالي بل جاء كدلالة قوية على التأثر الايجابي الخلاق الذي يرفد صناعة الافلام الاردنية بقدرات ابداعية جديدة.








