عمان - جمال عياد - لعل أكثر عرض، استطاع نسبيا أن يقرأ نص الكاتب مفلح العدوان هو العرض المسرحي آدم لوحده، لجهة إخراج الأبنية السطحية والعميقة منه، وهو من إخراج د.فراس الريموني، والذي قدم أول من أمس على خشبة مسرح محمود أبو غريب، قي المركز الثقافي الملكي، في العرض الافتتاحي لمهرجان عشيات طقوس المسرحية الثانية، وتستمر عروضه حتى 21 من الشهر الجاري.
فعلى الرغم من أن العرض جاء في ظهوره مونودراميا، يختزن أساسا في الفعل الأدائي لممثل العرض الأساسي سميرمصاروة، إلا أنه ومنذ دخول المشاهدين للمسرح وجدوا العلامات البصرية الكثيفة، قد ملأت فضاء المسرح، حقلا من الدلالات المركزية في انتاج المعنى، والتي أسهمت بقوة مع الأداء التمثيلي، في طرح رسائل هذه المسرحية، وبالتالي في نجاحهما (جماليات السينغرافيا، والفعل الأدائي) وإلى حد ليس بالقليل في انشاء نظام تلق مرئي سمعي فعال، جعل من الحدث في الخشبة في حالة تواصل مع أحاسيس هؤلاء المشاهدين وحتى انتهاء الفعل في المشهد الأخير.
وكانت من أولى الثيمات المطروحة، محاربة وجود الأسلحة النووية، والمدمرة للعمران الإنشائي، والحياة الإنسانية، لأنها في حال نشوب الحرب، وانفلات العقل، وحلول دعوات جنون الحرب، واللجوء إلى القوة في حل النزاعات، فإن البشرية برمتها لا محالة هالكة، كما وأنه بعد تفكيك شيفرات العرض، وإعادة تجميعها وتركيبها، وفق نظام التواصل، نجد أن مقولات المسرحية، انشغلت في فضح قبح قيم السلطة والديكتاتورية، على مر حقب التاريخ البشري، في صيرورة استحواذها على مقدرات المجتمعات، لتسخيرها في خدمة ذاتها السلطوية، على حساب فئات الشعب الأخرى، ودائما بحسب تيار الوعي لهذه المسرحية.
ولكن الأبنية العميقة للعمل، تناولت أسئلة الراهن، حيال هجاء الديكتاتورية، وانجماع السلطات في يد شخص، أو فئة، أو شريحة اجتماعية واحدة، وخصوصا في مشاهد المحكمة التي يعقدها آدم مع (كسرى أنو شروان)، و(فرعون) وغيرهما ممن أستمرأوا الظلم وقهر سواهم من الضعفاء.
وهكذا برزت الحكاية ذريعة لطرح المعنى، فالحكاية السطحية لمختلف اللوحات والمشاهد جاءت في سياقات رمزية، تتناوب في نسج خيوطها كل من شخصية آدم الحاضر على خشبة المسرح، وحواء، والتي حضرت بقوة في أثر غيابها، والتي جسدت بالفعل الأدائي لشخصية آدم، الذي بقي وحيدا على هذه الأرض، عبر استدائها، وتبيان أثرها على ما يحيط بها، بعد أن أفنت الأسلحة النووية كل ما هو حي، عداه الذي بقي وحيدا، مع شجرة وحيدة نجت معه من هذه الحرب الفانية المدمرة، وكأن سياق الأحداث يعيد الخلق مرة أخرى في الفضاء الأول الثلاثي (حواء، آدم، الشجرة).
وكانت ذروة الأداء في لفت نظر المشاهد له، في دفع الإنفعال بالإتجاه السيكولوجي، عبر تطور الفعل العاطفي النفسي للشخصية، في تصعيده المتراكم للمواقف، وخصوصا عند استحضار قصدية مقتل شخصية حواء، إمعانا في وقف تطور الحياة، في سياقات المسرحية الرمزي. مقتربا الفعل من الأداء السيكو دراما، كونه حاول تشريح الشخصية، وبالتالي أحالنا هذا التشريح إلى كشف أعمق في البنى المضمرة لطبيعة قوة السلطة الغاشمة حينما تنفلت من رقابة القانون، حيث لا يهم أي أسلوب في تحقيق الهدف.
وأسهم تصميم زي شخصية العرض الرئيسة، بحضور ملامح الجنرال العسكري في ظهور هيئتها، الذي عمق مزاج وهواجس الشخصية الداخليتين، وكذلك شخصية السيد الذي ظهر في المشهد الإفتتاحي وقدمه، د. فراس الريموني، والذي دفع شخصية الجنرال لخدمة مصالحه، في تدمير كل ما هو حضاري وجميل من العمران، لصالح جشعه ومآربه الأنانية.








