عواد علي - رغم أن سعد الله ونوس ظل، حتى وفاته، محكوما بالأمل، لم ييأس من تغيير الواقع السياسي العربي المتردي، إيمانا منه بأن ''ما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ''، فإنه لم يخف ضعف إيمانه بمن يقود إلى هذا التغيير، وهو يشهد تصدع النظام العربي، ونزوع معظم زعاماته إلى الاستبداد، وقمع الحريات المدنية، ومغازلة التيارات الظلامية.
وقد أفضى ذلك إلى تخليه، قبل رحيله بثلاث سنوات، عن مشروعه المسرحي الذي أطلق عليه ''مسرح التسييس''، وانتقل إلى ما يمكن أن نسميه بـ ''مسرح التشريح''، أعني تشريح بنية المجتمع العربي من خلال نواته الصغيرة ''الأسرة''، المنتجة لهذا الواقع، في أربعة نصوص مسرحية هي على التوالي: ''يوم من زماننا'' و''أحلام شقية'' عام 1995، ''ملحمة السراب'' عام 1996، و''الأيام المخمورة'' عام 1997.
في هذه النصوص حاول سعد الله ونوس تشخيص الداء الذي يضرب المجتمع العربي، وهو الداء المتمثل بمنظومة القيم المتخلفة التي تؤطره، وبوطأة التقاليد الصارمة التي تهيمن عليها بنيته الذكورية.
وقد حظي نص ''أحلام شقية'' باهتمام المخرجين المسرحيين العرب، رغم تأخرهم كثيرا في إخراجه، أكثر من بقية النصوص، فجرى تقديمه، مثلا، في مصر (محمد أبو السعود، عام 2004)، فلسطين (منير بكري، عام 2007)، سوريا (نائلة الأطرش، عام 2008)، والأردن (نبيل الخطيب، عام 2009). والتجربة الإخراجية الأخيرة، التي أنتجتها الدائرة الثقافية في أمانة عمان الكبرى، وعرضت في مركز الحسين الثقافي، هي مدار هذه المقالة.
تجري أحداث مسرحية ''أحلام شقية'' التي تعرض في في السابعة من مساء اليوم على المسرح الرئيس في مركز الملك عبدالله الثاني في الزرقاء منزل شرقي تقطن فيه أسرتان، الأولى تتكون من الزوج ''فارس'' (أدى دوره أحمد العمري) وزوجته ''ماري'' (أدتها نهى سمارة)، التي تقدم بها العمر ولم تنجب بسبب مرض جنسي أورثه إياها زوجها الماجن ليلة زواجهما، وسط جهلها وقلة خبرتها، وتسويغ الأمر وفق الموروث الجنسي المتخلف، والثانية تتكون من الزوج ''كاظم'' (مثله رأفت لافي)، وهو رجل متسلط (كان عسكريا)، مقامر، لا يجيد سوى القمع، عاطل عن العمل، ينتهي في النهاية إلى مخبر، وزوجته وابنة عمه الشابة ''غادة'' (مثلتها إيمان ياسين)، التي لا تكن له ودا بسبب زواجها القسري منه. السيدة ماري تكره زوجها، لكنها لا تستطيع الانفصال عنه بسبب زواجهما المسيحي.
ينشأ الصراع في المسرحية حينما يأتي طالب جامعي اسمه ''بشير''، ويستأجر الغرفة في الطابق العلوي من المنزل، وبمجيئه يستيقظ الأمل في صدر ''ماري''، فتقتنع في هلوساتها اليومية بأنه ابنها الغائب. فيما تقع ''غادة'' في حبه تعويضا عما فاتها مع ابن العم. إنها لا تلتقي هذا الشاب وجها لوجه، لكنه يظهر في حلم ماري، وربما في حلم آخر لغادة. وهكذا يشكل ''بشير'' نوعا من الحلم، الحبيب المشتهى، الخلاص للشابة من زوج قمعي أجبرت على الزواج منه، بينما كان محل سخرية من قبل، في حين يمثل لماري خلاصا من زوج ماجن، وتعويضا عن ولد.
السلطة الذكورية القمعية التي يرمز لها ''كاظم'' تتحرك لاغتيال ذلك الحلم، فتتآمر على طرد ''بشير'' من المنزل، تحت يافطة ''الحفاظ على الشرف''، إلا أن ردة فعل المرأتين على ذلك تكون أقسى، وأشد مضاضة من تلك المؤامرة، فالسيدة ''ماري''، التي تحتفظ بسم لزوج لم تتمكن من قتله، تقنع جارتها ''غادة'' بدسه في الطعام الذي ستقدمه لزوجها، لكن المصادفة تلعب دورها، فيأكل طفلها من ذلك الطعام، ويموت بدلا من الزوج. وبذلك الخطأ القاتل تدخل ''غادة'' في دوامة من الشقاء، وكأنه مكتوب عليها ألا تحلم. وتبدو نهاية المسرحية غارقة في السوداوية، ليس فيها أي بصيص أمل.
هذا هو الخيط الرئيسي لحبكة المسرحية، وثمة خيط آخر، لا يظهر مجسدا كفعل درامي بل من خلال الشخصيات، وهو حكاية ''بشير'' الذي رفض قتل أخته بطلب من أبيه لأنها هربت مع حبيبها، واختار أن يواجه خنوع أمه لأبيه، والموروث البائد حول الشرف، بردة فعل تعد مطلبا لتطور المجتمع وانسلاخه عن هيكله المهترئ.
إن الفارق الزمني بين الأسرتين في المسرحية، كما يقول مخرج العرض نبيل الخطيب، يجعل كل منهما منتميا إلى زمن عناصره مختلفة، لكن حيثيات حكايتيهما متقاطعة ومترابطة في آن واحد، وكأن الزمن، زمن المجتمع العربي، ثابت لا يتحول، إلا إلى ما هو أسوأ لتتماهى الحكايتان، بحيث تبدو قضايا الأسر الشابة امتدادا لآلام وأوجاع الأسر الأقدم منها، لينتهي مصير الأسرتين إلى مصير واحد هو الدمار والموت.
ينكأ سعد الله ونوس في هذه المسرحيه، بجرأة، جرحا غائرا في جسد المجتمع العربي المريض، ألا وهو قضية المرأة، مبرزا بحسه التقدمي البعد الإنساني عبر مستويين: الاجتماعي الظاهري، والفردي المكبوت، وذلك من خلال تشريح موضوع محاط بتابوات كثيرة. إنه يقدم مقاربة درامية للذات الإنسانية في صراعها الداخلي، ومدى التقاطع والتنافر بينها وبين محيطها، والتغيرات التي تطرأ على الإنسان حين يعي هذا التنافر ويحاول أن يتخطاه.
قدم المخرج نبيل الخطيب بصريا مشاهد متقطعة للفضائين المتجاورين اللذين تعيشان فيهما الأسرتان (أريكة وقطعة أثاث إلى يمين الخشبة تختزلان على نحو تعبيري بيت ماري وزوجها، وطاولة على يسار الخشبة تختزل بيت غادة وزوجها، وفي أعلى الوسط ماكنة خياطة قديمة خلفها كرسيان تستخدمهما الزوجتان) عامدا إلى محو أي فاصل بينهما، وذلك ليعزز مستوى الرؤية، بحيث عندما يؤدي ممثلان أثنان يتحول الممثلان الآخران إلى ممتفرجين مشاهدين، فاعلين، ومشاركين في بناء الصورة، وبناء التحولات الزمنية والمكانية، أي أن المتلقي يلحظ وجود ممثلين هم متفرجون على المسرح في الوقت نفسه، يتناوبون في عمليتي الأداء والتلقي، وهذا ما جعل العرض يدخل في لعبة الميتا مسرح، أي أن العرض يتمرأى في ذاته، كاسرا وهم الواقع، أو ما يمكن أن يتولد من تصور بأن ما يراه المتلقون أمامهم هو واقعة مجتزأة من الحياة، عامدا إلى إبلاغهم بأنها واقعة ممسرحة مصاغة برؤية جمالية تشير إلى الواقع بصور مجازية ورمزية.
وقد عمق هذه الرؤية أيضا ذلك التداخل بين الفصحى والعامية في حوارات الممثلين.
لقد أكد نبيل الخطيب في تجربته الإخراجية لهذه المسرحية الشيقة اللاذعة، أنه مخرج ذو مخيلة خصبة، وحساسية فنية وجمالية قادرة على استنطاق ما هو مسكوت عنه في النص، وتقديمه في صور مشهدية شديدة الإيحاء.








