د.امتنان الصمادي - منذ القرن الرابع قبل الميلاد والبترا عروس حصين لا تلتفت إلى الزمن لأنها تحل فيه قلبا من صخر وشرايين من ماء، وهي عصية ومنيعة ليس على المحبين، لأنها واثقة من أنهم سينحدرون إليها عبر خلايا الزمن كلما أدركوا أنها الجامعة المانعة تحميهم حينما يلتفون حولها قلبا واحدا وعقلا راسخا ويدا لا تفتأ تفيض بالخير.
وإذا كانت البترا قصة حياة صاغها المجد العربي النبطي منذ ما قبل الميلاد، فهي قصة خلود الوعي الإنساني بضرورة تقديس الحياة والحرص على دوافع الإرادة التي تصنع النصر النبيل في وجه أعداء الحياة. فقد كتبت البترا ذاتها في الصخر قبل أن تعرف الكتابة، وظلت شاهدة على الزمن العربي الحي الخالد.
إن حضور البترا مكانا وتاريخا وحضارة ليس بالحد المرضي في الأدب والفن، وظل على استحياء يراوح بين الظهور الفاعل كأثر فني يلمح للمجد ولا يقوله، ويدلل على بركات المكان ولا يستدعيه، مدة متقطعة من الزمن. ففي المجال المسرحي ظهرت مسرحية الرحابنة بترا العام 1977، وقدمت فيها فيروز أجمل أغانيها الخالدة بكرة لما بيرجعوا الخيالة ، و ما نام الليل سهران محبوبي ، وظلت البترا حبيسة حجارتها حتى أعلن عنها إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة، فظهرت نصوص مسرحية تنتظر من يقدمها لخشبة المسرح، مثل المسرحية الغنائية البترا وردة الصحراء للكاتب حسن ناجي، ومسرحية الصرح لهاشم غرايبة التي ظلت تنتظر النور على خشبة مسرح الجامعة.
وتأتي مسرحية بترا إن حكت لجمال أبو حمدان الأخيرة في هذا المضمار، لتلقى الدعم الحقيقي والمميز من المركز الوطني للثقافة والفنون وأمانة عمان الكبرى. والملاحظ على النصوص المسرحية المقدمة هدية للبترا،المكان والتاريخ والحضارة، أنها تسير في هدى الحكاية التاريخية مع اختلاف في الروايات وتقاطع مع الأساطير، لكنها تجمع على عظمة هذه المدينة وثباتها في وجه الغزوات والأطماع.
فمسرحية الرحابنة تجمع بين الحرب والتضحية، وتسلط الضوء على قيمة قطرة الدم التي تراق لتحمي البترا. إذ يخرج الملك الحارث لمحاربة الرومان وتبقى الملكة شاكيلا لتحكم البلاد، تختطف ابنتها بترا من قبل باتريكوس الروماني لتكون رهينة لعل الحارث يرجع عن انتصاراته، ويتجسد موقف البطولة على صعيد الملك الحارث خارج حدود البترا لحمايتها بالانتصارات، والملكة التي تضحي بابنتها في سبيل إنقاذ بترا . أما مسرحية هاشم غرايبة فلا تبتعد عن هذه الرؤية، فحماية البترا من الغزاة أساس وجود المواطن النبطي، بالإضافة إلى إبراز أهميتها الحضارية والتاريخية والمدنية عبر العصور، مع التركيز في بنائه للعمل على قيمة قطرة العرق التي تراق في سبيل بناء الصرح العظيم ونقشه / نحته من الصخر، وكيف تجتمع قوة إرادة الشعب وعزيمتهم لاستكمال الصرح دون الإخلال بشرط الدفاع عنها ورد الغزاة الطامعين بالانتصار على الرومان.
أما مسرحية أبو حمدان، فتهدف على مستوى النص، إلى إظهار مدينة البترا العريقة بالصورة اللائقة، من خلال الوقوف على مقومات وجودها التاريخي، وقد حملت المسرحية رسائل عدة، من أبرزها أن قوة المجتمعات وديمومتها تنبع من روح المكان وإرادة أهله، كما الماء النابع من الصخر؛ لذا اختار أبو حمدان تسليط الضوء على الماء وأهميته لمدينة مثل البترا، فترجم العنصر الثالث في أسطورة الأميرة هناءة ابنة الملك التي انتهت إلى أنها سترتبط بمن يقدم قطرة ماء تحيي البترا. وقد عرف أبو حمدان قاصا وروائيا وكاتبا مسرحيا وكاتب دراما تلفزيونية، واختيرت روايته شرق القمر وغرب الشمس من قبل لتنتج أول فيلم سينمائي أردني بمناسبة اختيار عمان عاصمة الثقافة العربية 2002، والآن تختار مسرحيته الغنائية الاستعراضية بترا إن حكت لتكون رمز الاحتفاء بالبترا عجيبة الدنيا، بالتزامن مع الاحتفال بمئوية عمان.
يتكئ النص على حدثين اثنين مهمين، استقى الأول من التاريخ ويتمثل بالغزوات التي تعرضت لها البترا بهدف اجتياحها، والثاني مستخلص من أسطورة الأميرة هناءة ابنة الملك التي قطعت على نفسها عهدا بأن تتزوج ممن يقدم للمدينة قطرة من دم تحمي البترا، أو قطرة عرق تبنيها، أو قطرة ماء ترويها، فقد عمد الكاتب إلى إعادة ترتيب الأسطورة بوصفها حكاية مقدسة ذات مضمون عميق يشف عن معاني الكون والوجود والحياة والإنسان، فاختار بذكاء المتمرس وحنكة الفنان ألا يكرر غيره بأن يجعل مسرحيته تنشغل بالنوع الثالث من القطرات، ألا وهو قطرة ماء تحيي البترا، لإيمانه بأن تغطية الرحابنة للون الأول (قطرة دم تحمي البترا)، وتغطية هاشم غرايبة في الصرح (قطرة عرق تحمي البترا)، يجعلان رسالة الفن متكاملة ومقنعة وغير مكرورة، فالفن وحده يملك الحق في استكمال الناقص لعله يقف على جوهر الأشياء وقيمتها.
ترصد المسرحية روعة البترا، وقصة أهلها العرب الأنباط في أوج ازدهارها في عهد الملك الحارث، وصمودها في وجه الطامعين، من خلال حكايا مجبولة بقصص الفروسية المفقودة المكونة من عناصر الحب والشجاعة والعاطفة النبيلة والإيثار، لتقول إن عوامل صمود هذه المدينة تتمثل بقوة المكان الحصين العصي على الأعداء، وعبقرية الإنسان الذي أطلع الماء من الصخر.
لذا انفتح النص على مشهد السوق لتصوير أسلوب الحياة الاجتماعية والحس الراقي تجاه مفهوم السلام والعدل الاجتماعي والمساواة، حتى إن الكاتب جعل من بعض المقاطع تسمح لأفراد الشعب بإبداء رأيهم بزواج الأميرة بصورة فنية ممتعة جدا، وإبراز علاقة الحاكم بالمحكوم والرخاء الاقتصادي وحركة القوافل ومنظومة القيم السائدة ومستوى التقدم العلمي في حفر الصخر واستخراج الماء منه، لما للماء من دلالة معاصرة وحاجة إلى تأمين سبل الحياة المائية لمجتمعات تسير نحو العطش وهي لا تدرك خطورة ذلك، فهذه القيمة هي المفخرة الثانية التي ميزت نص أبو حمدان، وقد ترجم ذلك من خلال بيان طبيعة الحب العفيف في ظل سيادة الأمان وتقدم العمران في المشاهد المتكررة للسوق، موظفا اللغة المكثفة والموحية التي تميل إلى المجازية والشعرية في بعض الحوارات، إذ يرتكز النص على حوار مذهل، غير أن ورود بعض الهنات اللغوية والنحوية على ألسنة الممثلين كان يمكن تجاوزه في القليل من الدربة.
وقبل الحديث عن دور الإخراج المميز للمسرحية، يشار إلى أن حضور شخصية الحارث، وهي الشخصية المهمة جدا على صعيد العمل الذي يتناول البترا موضوعا له، بوصفها البؤرة المركزية التي ضمنت للتاريخ نصوع صورته، هذا الحضور لم يكن بصورة جلية مقارنة مع حجم الشخصية تاريخيا، وكذلك الأمر عند غرايبة في الصرح الذي أبرز إلى حد ما هيبة الحارث في ذهن الشعب بصورة أكبر منها في حضوره بينهم على مستوى النص والخشبة، وقد يقال: للكاتب أن ينتخب ما يشاء ويعلق ما يشاء، إلا أن المسرحية تعد الأولى في رصد البدايات الفنية الجديدة في الأردن كما وصفها بعضهم، أضف إلى ذلك أن الممثل ياسر المصري الذي عرف في أدوار مهمة عبر الدراما الأردنية كان يميل إلى إخفاض الصوت، ولم تسعفه الملابس رغم جمال تصميمها وألوانها بأن تحفظ للحارث هيبة الملك، فبدت ملابسه بتصميمها التاريخي المميز غير منسجمة مع الشخصية، فأضفت عليه نحافة مبالغا فيها. وعلى مستوى الرؤية الإخراجية اتسمت المشاهد الرئيسية بالكثير من الإثارة والإدهاش، من حيث تحقيقها لمجموعة من المثل، كالعلم المتمثل بإخراج الماء، والعمل المتمثل بالنحت، والشجاعة المتمثلة بالدفاع عن البترا، في لحمة فنية متداخلة نجحت في شد الجمهور أيما نجاح.
أما مستوى السينوغرافيا ومتعلقات العمل المسرحي، فقد بدت مدروسة بعناية فائقة، ابتداء من ستارة المسرح المعدة على شاكلة السيق بتعرجاته وضيقه الذي سيفضي إلى عالم البترا المدهش بمجرد فتحها، إضافة إلى مشهد المساجلات الشعرية الرائع بين المتحابين جميلة ومالك في السوق، وسجال الأميرة هناءة مع الخاطبين القادمين من الجهات الأربع المحملين بكل غال وثمين. وكان توزيع كتل الديكور التي تسمح لها الخشبة بالدخول والخروج من عمق المسرح كما البترا المعجزة التي أخرجت الماء/الحياة من قلب الصخر الوردي. ومما يلفت الانتباه أن جل الأعمال المسرحية التي تناولت البترا استدعت الخزنة كصورة دالة على مدلولها، بوصف الخزنة أحد أهم رموز البترا، إلا أن المسرحية تجاوزت ذلك كاسرة التوقعات، مستعينة بكتل ديكور صخرية مختلفة من روح البترا، تنتهي بظهور صورة الخزنة بشكل فني مدهش.
إن جهد المخرجة لينا التل في خلق روح الانسجام بين المرئي والمسموع، واستغلال فضاء الخشبة، وتوظيف الأغاني والعبارات الإيقاعية ذات النغم المتدفق، وانطلاق الممثلين الشبان الذين أتيحت لهم فرصة الطهور للمرة الأولى في عمل بهذه القوة دون أن يتكئ على أسماء لامعة، مبشر بجودو طاقات إبداعية هائلة تنتظر الإعلان عنها، كما أن حيوية الفرق الراقصة وبهاء الإضاءة التي تتقاطع مع وردية المدينة، صنعت من العرض عملا رائدا يستحق التقدير، أضف إلى ذلك تلك الأصوات الأوبرالية التي يؤمل أن تنال فرصتها في الدخول إلى العالمية إذا ما وجدت من يلتفت إليها ويعطيها حقها في العرض عربيا وعالميا.
ما دامت بترا انحازت للحياة في نقطة المعالجة الفنية، فهي خالدة لا محالة في نفوس الأجيال المقبلة، يتعلمون منها معنى الحب والوفاء والنبل والفروسية.
imtenansmadi@yahoo.com








