جمال عياد - بعد نجاح عروض مسرحية «تمان بنات» من إخراج لانا ناصر, وما أثارته من ردود فعل لجهة رسائلها, وعناصر جمالياتها, التقتها «ابواب» في حوار طال كيفية اشتغالها على صناعة هذه المسرحية, لجهة الحساسية الفطرية, أو الموهبة, أم لاشتغالها في حقول فنية أخرى, وأثر دراستها وأبحاثها على إثراء ذخيرتها المسرحية, وحول مرجعيات نص العرض من أين جاءت الإفادة سواء على مستوى المتن أو الشكل. وعن عنوان المسرحية»تمن بنات», بدلا من «ثمان بنات», و لماذا الرقم ثمانية بالتحديد, وما الرسالة الأساسة من وراء هذه المسرحية, وحول تمويل العمل المسرحي, لجهة وجود عدة سفارات, وجهات أخرى أجنبية داعمة, وأثر هذا على مسار رسائل المسرحية, وتاليا الحوار:
- المشاهد لمسرحيتك أثير إعجابا لعدة جهات منها الفضاء الجمالي الدلالي, والرسائل الاجتماعية المميزة الخاصة بالمرأة, كيف توصلت إلى هذه القدرة في الصياغة الجمالية المتوازنة للعرض, كونك لم تدرسي الإخراج المسرحي, وفي ذات الوقت, هل هي الحساسية الفطرية, أو الموهبة, أم لاشتغالك في حقول فنية أخرى, أم هل لديك إضافة أخرى؟.
بصراحة أعتقد بأن كل تلك العناصر التي ذكرتها لها علاقة بذلك, فعملي في الفن والمسرح, علمني أشياء وتجارب كثيرة, وبالتالي كنت أرصد فيما كان يؤثر في, أم لا, ولكن في النهاية أرى فيما إذا ما فعلته يؤثر جماليا في نفسي أم لا, وأعتقد بأن دراستي بكالوريوس لعلم النفس, وماجستير دراسات الوعي والأحلام, فطبعا هذا الحقل يساعدني في الغوص في الحياة الإنسانية, وسبر أغوارها.
- هل أوضحت كيف أثرت دراستك وأبحاثك في هذا الحقل الهام على المستوى الإنساني, على ذخيرتك المسرحية؟.
بالضبط أي شخصية مسرحية وحتى تكون مقنعة, وجذابة تعبيريا للمشاهد والممثل, فلا بد من أن تكون تحتوي هذه الشخصية في هواجسها الأحلام والمخاوف, والآمال, والإشكالات النفسية, التي تؤثر في أعماق الشخصية, وفي نفس الوقت أثر ذلك على الشخوص الأخرى, فضلا عن أن الطريقة التي أنتجنا بها هذا العرض على مستوى الشكل والمضمون, أننا عملنا عدة ورشات عمل, بحيث أن كل فنانة حكت وطرحت رؤيتها حول كينونة المرأة, من خلال تجربتها أو تجارب من حولها.
ومن الناحية الإخراجية حاولت أن أظهر للمشاهد نوعا من المصداقية, المنبثقة من ثقافتي الممزوجة من الآداب الشرقية والغربية في آن, لجهة الواقع, هذا الواقع الذي يجيء أحيانا للآخر وكأنه خيال, ولكنه في هذا الفضاء المتخيل, يحتوي على تجربة إنسانية للأنثى عموما, ورأيي في أنني أردت أن أبين وأن أوضح أنه من أحد أسباب معاناة المرأة, هو بحثها عن تكميل ذاتها من خلال علاقاتها الخارجية, والعاطفية خاصة, الاعتماد من قبلها على مظهرها الخارجي ليعكس جوهرها الداخلي, بما يمور في أعماقها.
وبعد هذه السلسلة من الإنكسارات تهاوت إلى الأرض ميتة, ولكنها ترى خيالا يتبين لها انه ذاتها, فتتوحدان, في زواج داخلي, ضمن السياق الرمزي للأحداث.
- أثناء إنشاء معمارك الجمالي لشكل هذه المسرحية, كانت مفردة المرآة المتموضعة في بؤرة المسرح, علامة مركزية, سواء عند ابتداء الأحداث, أو عند انتهائها, هل أوضحت وبينت العلاقات التي انبثقت عنها, مع السياقات الأخرى للعرض؟.
تبدأ المرآة كوسيلة لأن ينظر الشخص من خلالها لنفسه, واقعيا, ومن ثم يبدأ النظر إليها رمزيا ونفسيا, وكذريعة للنظر إلى ما هو خلف الحياة, وماذا أرى أنا, وماذا يرى الناس, وماذا أريد أن أراه, وما لا أريد أن لا أراه, وأكبر سؤال طرح هو من أنا؟ كما أن الدخول والخروج في المرآة أثناء التطورات المسرحية, يمثل رحلة الخارج إلى الداخل, والخارج إلى الداخل في رحلة فلسفية جدلية, من اجل إنتاج المعنى إلى فكرة أن الإنسان يرى أكثر مما تراه عينه العادية, إلى أبعاد أخرى أكثر جوهرية وجذرية في الحياة الإنسانية, لجهة ما تعتمل في أغوار دواخلها, والتي لا نراها, ومن جهة أخرى أيضا, في الرؤية إلى ماهية الطبيعة, وبما تحوي من حساسيات, وكذلك المجتمع وما يلفظه من تداعيات تحيل الإنسان في علاقات تأخذه بين أطراف متناقضة أحيانا, ومتشابهة أحيانا أخرى, وكل ذلك يصيغ ويؤثر في هذه الذات الإنسانية لشخصية هذه المراة موضوع تناول مسرحيتي.
- مرجعيتك أنت والفريق المتكاتف جماعيا, في إظهار هذا العرض, الذي لم يخلو من بناء إبهاري ومعان جمالية أخاذتين, من أين جاءت الإفادة سواء على مستوى النص, أو الشكل؟.
على مستوى النص, كان عبارة عن التعليق على واقع تعيشه شرائح معينة من النساء, وملاحظات تحوي السخرية الاجتماعية تارة, والراصدة لما ترغب وتريده المراة من آمال وأحلام تهدف إلى تحقيقها تارة أخرى, ثم أنني وجدت أن هناك معاني مدفونة في عوالم اللغة, التي لا يعلمها أكثر الناس, وتحوي على دلالات تحدد النظرة على المرأة والحب, وطبيعة العلاقات بين الذكر والأنثى.
أما على مستوى الشكل, العناصر المختلفة تعبر عن المواهب المختلفة للفنانات المشاركات في العرض, فكل فنانة تعرض الشكل العام الذي تريد طرحه, وبعد ذلك نقوم بإيجاد طريقة لنحتوي عملها مع الفنانات الأخريات, في سياق متوازن سمعيا وبصريا, وهناك أحداث وجماليات متعددة, توصلنا إلى مظهرتها على خشبة المسرح, اكتشفناها أثناء التمارين والمحادثات فيما بين أعضاء الفريق, والبروفات المتواصلة.
وعلى مستوى إنشاء النص, كنا غير تقليديين, فلم نبدأ بنص أدبي على سبيل المثال, ولكن كنا نعمل وبما يشبه الورشة, والتي من خلالها كنا نصيغ الحوار, وننشئ المشاهد واللوحات, فالانسجام بين الفنانات المشاركات كان رائعا, ولولا هذا الانسجام لما خرج هذا العمل الفني.
- لما هذه التسمية, أولا «تمان بنات», بدلا من «ثمان بنات», وثانيا لماذا هذا الرقم بالتحديد؟.
أن عدد البنات المشاركات كانت ثمانية, ومن ضمنهم زميلتنا المشتغلة على الإضاءة, وعلى الخشبة كنا سبعة, أو أن الشخصية الثامنة الموجودة على المسرح, في السياق الإيهامي, هي نفسها المرأة المشاهدة, أو شخصيتا الأفعى, أو القطة والتي كنا ندعوها ب»البسة», أما استخدام العامية ب»تمن», تجيء من فكرة تمن البنت, من باب الكلام الدارج.
- حول التمويل لهذه المسرحي, لوحظ وجود عدة سفارت, وجهات أخرى أجنبية داعمة, هل هذا الدعم أثر على مسار رسائل المسرحية, أم كان هذا الدعم محايدا؟.
لم يؤثر أبدا, لأن ما دعم هو شبكة « آت» التي من أهدافها تشجيع التعبير الفني, وخصوصا عند الفتيات, والأطفال, ومن جهة أخرى فالداعمون اقتنعوا ببرامجنا, وأهدافنا, وقدراتنا على تنفيذ هذه الأهداف.








