ما وراء الاستدارة الأميركية، وبعدها ؟
عبرت وزيرة الخارجية الأمريكية، عن ذكاء لغوي، مصطنع، حين حاولت التمييز، في خطابين متباينين، بين عدم شرعية الاستيطان من ناحية؛ ورفض اشتراط وقفه، من الناحية المقابلة، كأساس لاستئناف المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، كما كانت تعد وتتوعد إدارتها منذ مطلع العام الجاري.. ومثل هذا التذاكي اللغوي، لا يترجم محاولة للعب بالكلمات، فحسب؛ ولكنه يكشف تلاعبا بالحلفاء والالتزامات، وأيضا: مستقبل المنطقة.
إذن، لم يعد أمام السيدة هيلاري كلنتون الا البلاغة ، واجتراح التعبيرات السياسية الجديدة، للتغطية على الموقف الأمريكي الذي برهن انحيازا كليا لإسرائيل على حساب العرب والفلسطينيين، ومثل استدارة حادة، وانقلابا على خطاب أسس له الرئيس أوباما، بوصفه خير خلف لشر سلف.
أما السبب، والذي يكشف وجها آخر للمأساة، فليس مقبولا اختزاله بقوة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، فحسب.. بل إن مثل هذا التفسير قد يحمل في طياته محاولة ما للتبرير، والتغطية بتوظيف واستحضار الكلاشيهات الجاهزة، من مثل ضعف التأثير العربي في مصانع القرار الأمريكي، وما شابه. وكأن اللوبي الإسرائيلي كان أقل تأثيرا عندما شرب أوباما حليب السباع، وبشر بخطته وآلياته لفتح طرق التسوية في المنطقة، أو أن التأثير العربي حينها كان يجتاح صالات ومكاتب البيت الأبيض..
الحقيقة، التي لا بد من التعامل معها، بمسؤولية هنا؛ هي أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة، ملحة، للعرب بعدما استبدلت سياسة المواجهة بسياسة الحوار مع إيران. وها هو الموقف الأمريكي من عملية التسوية، واضح، فالقصة لم تكن رومانسية على النحو الذي أحببنا أن نراه.. وشكل الخطاب المتسامح والمنفتح على العالم الإسلامي، والوعود السخية من أوباما بالتكفير عن سياسات أسلافه، وكأن الشعب الفلسطيني، قد وجد أخيرا من ينحاز له؛ كل ذلك لم يكن إلا في سياق الصراع مع إيران، وفق رؤية جديدة لإعادة صياغة شكل العلاقات ومواقع النفوذ، والقوى المؤثرة في الشرق الأوسط..
لقد ساد الاعتقاد لدى بعض أوساط المحللين والمتابعين، أن التحالف مع الولايات المتحدة في ملفات الحرب على الإرهاب، والاشتباك مع المشروع الإيراني المتمدد؛ سيكونان المقابل الذي تنتظره واشنطن من العرب للشروع بتسوية عادلة للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، كمكافأة أمريكية للتعاون العربي، وعلى غرار ما حدث إثر حرب الخليج الثانية، عندما كافأت إدارة بوش الأب الموقف العربي بمؤتمر مدريد عام 91 .
أما النتيجة؛ فلم تقف عند حدود التنصل من الوعود، بل جاءت على نحو سافر لتكشف اعتماد إدارة اوباما لحلفاء إقليميين، جدد، وعلى حساب العرب كحلفاء تقليديين؛ باتجاه تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة للمرحلة القادمة، مع الالتزام الأمريكي المستمر، والمؤكد، بأمن إسرائيل ومراعاة مصالحها الحيوية. في حين أصبحت المصالح العربية والمتمثلة بشكل رئيس بتسوية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي؛ جزءا من تاريخ البلاغة الأمريكية.
..الموقف الأمريكي إزاء العرب وقضاياهم، لم يعد يحتمل الوهم. وكل ما رافق صعود نجم الرئيس أوباما كصديق للعرب والمسلمين، لا بد من إعادة قراءته، لا على صعيد الملف المركزي، الفلسطيني، فحسب، ولكن على كل صعيد؛ ففي السودان يبدو الموقف الأمريكي واضحا من الاستفتاء على انفصال الجنوب، وفي العراق تتحرك قوتان إقليميتان، غير عربيتين، لإعادة ترتيب الأوضاع العراقية، وفق مصالحها وحساباتها. أما موضوع أمن الخليج، فمن الواضح أنه سيكون جزءا من العلاقة الجديدة بين الولايات المتحدة وحليفها المستقبلي (المحور الإيراني- التركي).
لقد آن الأوان لتقييم العلاقة مع الولايات المتحدة واعطائها حجمها الحقيقي، وإزالة كل وهم قائم. صحيح أن أحدا لا ينادي بمعاداة واشنطن، ولكن ليس من المعقول أو المنطقي استمرار الرهان على نواياها مثلما كان، والاعتماد الكلي والمطلق عليها؛ في غياب وتغييب أية توازنات أخرى، قد تكون عاملا مهما في تحقيق مصالح المنطقة، واستعادة العرب لجزء من دورهم، على صعيد إقليمهم، بدلا من ان يتحولوا إلى مجال تقاسم نفوذ بين اللاعبين الحقيقيين.
abdromman@yahoo.com
عبد الله أبو رمان
|